تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابنه، فشهد أن أباه لم يخن المسلمين، بل إني قد أعطيته سهمي من القماش، ومن

سهمينا فصلت الجبة والرداء.

وقد كان سير الأمة هذا مع ذلك الخليفة الذي كانت تقشعر من خشيته جلود

الملوك في عقر دورهم، وتخر أمام هيبته عروش فارس ومصر، وتزلزل من

بأسه جدران القسطنطينية، ولكن مع هذا كله لم يكن عند الحكومة الإسلامية قانون

(124) يحاكم به الخليفة معارضيه من أصحاب الحق.

أما الدور الثاني فدور الحكومة الشخصية والملكية المطلقة، بدأ باستيلاء بني

أمية على الخلافة قهرا وعنوة، فانقلبت فيه الجمهورية الإسلامية على رأسها وحل

الاستبداد والقهر محلها، وظهر مكان الخليفة الإسلامي ملك مكلل بتاج الملك،

متربع على عرش الحكومة المذهب. ولكن استبداد هذا الدور مع سائر عقوباته

المريعة من الجلد بالسياط، والحبس في السجون، والقتل بالسيوف - لم يستطع أن

يصد المسلمين عن إعلان الحق، ويقعدهم عن الذود عنه وحمايته، بل ظلت

ألسنتهم حادة ذلقة في إعلانه، ونفوسهم متهيئة لتقديم المهج في سبيله، فأصحاب

الرسول صلى الله عليه وسلم ما عاشوا ظلوا ينددون بظلم الولاة ويشهرونه،

ويطالبونهم بتغييره وجعل الحكومة شورى بين المسلمين [2] ثم قام مقامهم التابعون

الذين تربوا في حجورهم وتخلقوا بأخلاقهم، فكانوا خير خلف لخير سلف، ما هابوا

غير الله، وما داهنوا أحدا من خلقه، بل كانوا يجهرون بالحق، ويقولون للجبابرة

والطواغيت: (أصلحوا أو زولوا، أزالكم الله) وقد عد الإمام محمد الغزالي

أولئك الصحابة والتابعين الذين كانوا إلى زمن الخليفة هشام بن عبد الملك وأنكروا

ظلم الأمراء وطالبوهم بحكومة الشورى والنيابة، فبلغ عددهم أكثر من ثلاثة

وعشرين رجلا [3] ، وإني أنبه ههنا أنه لا يوجد في شريعة الإسلام قانون (124)

(من القوانين الهندية) الذي كان يمنع هؤلاء الأخيار من الأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر وإعلان الحق وتقبيح الظلم.

طلب الخليفة الأموي الشهير هشام بن عبد الملك طاوس اليماني يوما إلى

مجلسه فلما دخل عليه لم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: (السلام عليك يا

هشام) وجلس بإزائه، وقال: (كيف أنت يا هشام) فغضب هشام غضبا شديدا

حتى هم بقتله، وقال له: (يا طاوس، ما الذي حملك على ما صنعت؟) قال:

(وما الذي صنعت؟) فازداد غضبا وغيظا، وقال: (خلعت نعليك بحاشية بساطي،

ولم تقبل يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير

إذني، وقلت: كيف أنت يا هشام؟) قال: (أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية

بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، وأما قولك: لم تقبل

يدي، فإني سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لا يحل لرجل أن

يقبل يد أحد، إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة، وأما قولك: لم تسلم علي

بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راضين بإمرتك. فكرهت أن أكذب، وأما قولك:

جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليا يقول: (إذا أردت أن تنظر إلى

رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام) فقال هشام: عظني،

فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن في جهنم حيات كالقلال،

وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام. انتهى ملخصا.

وكان مالك بن دينار ينادي في جامع البصرة: (إن الله دفع إلى هؤلاء الملوك

غنما سمانا صحاحا، فأكلوا اللحم ولبسوا الصوف، وتركوها عظاما تتقعقع)

وخاطب أبو حازم سليمان بن عبد الملك الجبار بقوله: إن آباءك قهروا الناس

بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضا منهم، حتى

قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقد ارتحلوا، فلو شعرت بما قالوا وما قيل فيهم! فقال له

رجل من جلسائه: بئسما قلت، قال أبو حازم: إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء

ليبيننه للناس ولا يكتمونه! قال سليمان، وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد؟ قال: أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٧٧