أن يربط لا في الأرض ولا في السماء [1] ، بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب
عليه فيما بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفعه عن كل رق إلا العبودية لله وحده،
وليس لمسلم مهما علا كعبه في الإسلام على آخر مهما انحطت منزلته فيه إلا حق
النصيحة والإرشاد. قال تعالى في وصف الناجين: {وتواصوا بالحق وتواصوا
بالصبر} (والعصر: 3) وقال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران: 104) وقال:
{وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في
الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (التوبة: 122) فالمسلمون
يتناصحون ثم هم يقيمون أمة تدعو إلى الخير وهم المراقبون عليها لعلهم يردونها
إلى السبيل السوي إذا انحرفت عنه، وتلك الأمة ليس لها فيهم إلا الدعوة والتذكير،
والإنذار والتحذير، ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن يتبع عورة أحد، ولا
يسوغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد، وليس يجب على مسلم أن
يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله وسنة رسوله الله
صلى الله عليه وسلم؛ لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله وعن رسوله من كلام
رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف [2] وإنما يجب عليه قبل ذلك أن
يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها وأحوال
العرب خاصة في زمان البعثة، وما كان الناس عليه زمن النبي صلى الله عليه
وسلم وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، وشيء من الناسخ والمنسوخ من
الآثار. فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى ما يعده لفهم الصواب من السنة والكتاب
فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما. وله بل عليه أن يطالب المجيب بالدليل على
ما يجيب به، سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال، فليس
في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه.
السلطان في الإسلام
لكن الإسلام دين وشرع، فقد وضع حدودا، ورسم حقوقا، وليس كل معتقد
في ظاهر أمره بحكم يجري عليه في عمله. فقد يغلب الهوى وتتحكم الشهوة،
فيغمط الحق، أو يتعدى المعتدي الحد، فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا
وجدت قوة لإقامة الحدود وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة،
وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير، فلا بد أن تكون في واحد وهو
السلطان أو الخليفة.
الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، ولا من حقه
الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة، نعم شرط فيه أن يكون مجتهدا، أي أن يكون من
العلم باللغة العربية وما معها مما تقدم ذكره بحيث يتيسر له أن يفهم من الكتاب
والسنة ما يحتاج إليه من الأحكام، حتى يتمكن بنفسه من التمييز بين الحق والباطل،
والصحيح والفاسد، ويسهل عليه إقامة العدل الذي يطالبه به الدين والأمة معا.
هو - على هذا - لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية، ولا
يرتفع به إلى منزلة، بل هو وسائر طلاب الفهم سواء، إنما يتفاضلون بصفاء
العقل، وكثرة الإصابة في الحكم [3] ، ثم هو مطاع ما دام على المحجة ونهج
الكتاب والسنة، والمسلمون له بالمرصاد، فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا
اعوج قوموه بالنصيحة والإعذار إليه [4] . لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق [5] .
فإذا فارق الكتاب والسنة في عمله، وجب عليهم أن يستبدلوا به غيره، ما لم يكن
في استبداله مفسدة تفوق المصلحة فيه [6] ، فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه،
والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من
مصلحتها فهو حاكم مدني من جميع الوجوه.
ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج
(كراتيك) أي سلطان إلهي. فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله،