تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وله حق الأثرة بالتشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة وما

تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى الإيمان، فليس للمؤمن ما دام مؤمنا

أن يخالفه، وإن اعتقد أنه عدو لدين الله، وشهدت عيناه من أعماله ما لا ينطبق

على ما يعرفه من شرائعه؛ لأن عمل صاحب السلطان الديني وقوله في أي مظهر

ظهر هما دين وشرع، هكذا كانت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى. ولا تزال

الكنيسة تدعي الحق في هذه السلطة كما سبقت الإشارة إليه.

كان من أعمال التمدن الحديث: الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية،

فترك للكنيسة حق السيطرة على الاعتقاد والأعمال فيما هو من معاملة العبد لربه،

تشرع وتنسخ ما تشاء، وتراقب وتحاسب كما تشاء، وتحرم وتعطي كما تريد،

وخول السلطة المدنية حق التشريع في معاملات الناس بعضهم لبعض، وحق

السيطرة على ما يحفظ نظام اجتماعهم في معاشهم لا في معادهم، وعدوا هذا

الفصل منبعا للخير الأعم عندهم.

ثم هم يهمون فيما يرمون به الإسلام من أنه يحتم قرن السلطتين في شخص

واحد. ويظنون أن معنى ذلك في رأي المسلم أن السلطان هو مقرر الدين، وهو

واضع أحكامه وهو منفذها، والإيمان آلة في يده يتصرف بها في القلوب بالإخضاع،

وفي العقول بالإقناع، وما العقل والوجدان عنده إلا متاع، ويبنون على ذلك أن

المسلم مستعبد لسلطانه بدينه، وقد عهدوا أن سلطان الدين عندهم كان يحارب العلم،

ويحمي حقيقة الجهل، فلا يتيسر للدين الإسلامي أن يأخذ بالتسامح مع العلم ما دام

من أصوله أن إقامة السلطان واجبة بمقتضى الدين. وقد تبين لك أن هذا كله خطأ

محض وبعد عن فهم معنى ذلك الأصل من أصول الإسلام. وعلمت أن ليس في

الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير عن

الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها

لأعلاهم يتناول بها من أدناهم.

ومن هنا تعلم (الجامعة) [7] أن مسألة السلطان في دين الإسلام ليست مما

يضيق به صدره، وتحرج به نفسه عن احتمال العلم، وقد تقدم ما يشير إلى ما

صنع الخلفاء العباسيون والأمويون الأندلسيون من صنائع المعروف مع العلم

والعلماء، وربما أتينا على شيء آخر منه فيما بعد.

يقولون: إن لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني أفلا يكون للقاضي أو المفتي

أو شيخ الإسلام؟ وأقول: إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد

وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع

الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته

لربه أو ينازعه في طريق نظره) اه.

***

الخاتمة:

خلاصة اجتماعية تاريخية في الخلافة والدول الإسلامية [*]

{وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله

بأعلم بالشاكرين} (الأنعام: 53) .

(تمهيد)

لقد كان فيمن قبلنا من البشر منذرون ورسل بعثوا لهدايتهم، وملوك وحكام

يتولون الأحكام والسياسة فيهم، وكان بعض الأنبياء ملوكا، وكان بعض الملوك

تابعين للأنبياء، وكان الملك والرياسة فتنة للملوك والرعايا، وللرؤساء

والمرؤسين ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون﴾ (الفرقان: 20)

وكان رؤساء الدين من غير الأنبياء كثيرا ما يشتركون مع رؤساء الدنيا من

الملوك والأمراء في فتنة المال والجاه، فيكون بعضهم أولياء بعض في استعباد

مرءوسيهم، والتمتع بأموالهم وأعراضهم، وكانت الشعوب تنقاد لأولئك الرؤساء إما

بوازع الاعتقاد الديني، وإما بقهر القوة والسلطان، وإما بالأمرين جميعا، وربما

كان بعضها يضيق ذرعا ببعض الملوك الجائرين فينزع يده من طاعتهم، يثل

عروشهم، ويولي أمره جماعة من الزعماء الذين نهضوا لمقاومة الجور والقهر

بقوتهم، حتى إذا ما صار الأمر إليهم كانوا وهم عصبة أشد جورا وبغيا من الملك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٦٥