تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما هي لله، ولذلك قال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء:

80) فطاعة الرسول ثم طاعة أولي الأمر من الأمة تبع لطاعة الله التي أوجبها

للمصلحة تنفيذا للشريعة، على أن الرسول معصوم في تبليغ الدين وإقامته، وقد

جعله الله أسوة حسنة لأمته، وكان الصحابة على هذا يراجعون النبي صلى الله عليه

وسلم فيما يقوله برأيه في المصالح العامة كالحرب والسلم ويبدون آراءهم، وكان

يرجع عن رأيه إلى رأي الواحد منهم إذا تبين له أنه الصواب، كما رجع إلى رأي

الحباب بن المنذر يوم بدر، وإلى رأي الجمهور بعد الشورى، وإن لم يظهر له أنه

أصوب كما فعل يوم أحد. وقد قال: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم

فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر) رواه مسلم من حديث رافع بن

خديج، وقال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) رواه من حديث عائشة.

وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أن فيمن اتبعه منافقين، وكان يعرف بعضهم

دون بعض، ولكنه يعاملهم معاملة المؤمنين؛ لأن من أصول شريعته أن يعامل

الناس بحسب أعمالهم الظاهرة، ويوكل أمر القلوب والسرائر إلى الله تعالى.

قال رجل له وقد رآه يعطي رجالا من المؤلفة قلوبهم: يا رسول الله اتق الله،

قال: ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ ثم ولى الرجل فقال خالد بن

الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ - وفي رواية: فقال عمر: يا رسول الله

ائذن لي أضرب عنقه - قال: لا تفعل لعله أن يكون يصلي، فقال خالد: وكم من

مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم

أومر أن أنقب في قلوب الناس ولا أشق بطونهم) رواه الشيخان من حديث أبي سعيد

الخدري.

وإذا كان هذا شأن الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يكون للخلفاء والأمراء -

مهما عظم شأنهم- أن يحاسبوا الناس على قلوبهم أو يسيطروا عليهم في فهمهم للدين

أو عملهم به وربما كان فيهم من هم أعلم به منهم؟ كلا إن الخليفة في الإسلام ليس

إلا رئيس الحكومة المقيدة، لا سيطرة ولا رقابة له على أرواح الناس وقلوبهم،

وإنما هو منفذ للشرع، وطاعته محصورة في ذلك فهي طاعة للشرع لا له نفسه،

كما تقدم آنفا وبسط في المسألة (1، 6، 8) ولكن الأعاجم أفسدوا في أمر الإمامة

والخلافة بما دست الباطنية في الشيعة من تعاليم الإمام المعصوم، وبما أفرط الفرس

والترك ومن تبعهم في الغلو بإطراء الخلفاء مما يذكر مثاله في الخلاصة التاريخية

الآتية، حتى فتحوا لهم باب الاستعباد، وقهروا الأمة على الخنوع والانقياد، انتهى

كل غلو إلى ضده، فكان غلو الأعاجم في الخلفاء العباسيين سببا للقضاء على

خلافتهم، ثم كان تقديس الخلفاء العثمانيين سببا لإسقاط دولتهم، وقد أبقى الترك

لواحد منهم لقب (خليفة) مجردا من معناه الشرعي والسياسي كما تقدم، ولم يمنع ذلك

الناس ولا سيما أصحاب الجرائد عن وصفه بالقداسة، وبصاحب العرش، وغير

ذلك من الإطراء بالقول والفعل. وكثر خوض المسلمين كغيرهم بذكر الخلافة

الروحية، وفصلها من السلطة الزمنية السياسية، وإنا وإن كنا قد بينا الحق في

المسألة في هذا البحث نرى أن نزيدها إيضاحا بنقل ما كتبه الأستاذ الإمام فيها نقلا

عن كتابه (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) قال رحمه الله:

(الأصل الخامس للإسلام)

(قلب السلطة الدينية)

أصل من أصول الإسلام أنتقل إليه، وما أجله من أصل! قلب السلطة

الدينية والإتيان عليها من أساسها: هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها حتى لم

يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم، لم يدع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله

سلطانا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، على أن رسول الله عليه السلام كان

مبلغا ومذكرا، لا مهيمنا ولا مسيطرا، قال الله تعالى {فذكر إنما أنت مذكر *

لست عليهم بمسيطر} (الغاشية: 21-22) ولم يجعل لأحد من أهله أن يحل ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٦٣