تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدين فتفند مطاعن رينان الجهلية.

الغرض من المحاضرة:

كنا نظن أن الأستاذ الذي درس العلم الإسلامي في الجامع الأزهر، وبعض

العلم الأوربي في باريس أراد - بعد احتفال الجامعة المصرية برينان الذي لم يعرف

في هذه البلاد إلا بما اشتهر من طعنه في الإسلام - أن يقوم بما هو جدير به من

تلخيص رأي رينان في الإسلام وتلخيص رد السيد جمال الدين عليه، والزيادة عليه

بما يعن له، وختم الكلام بخلاصة الموضوع الذي هو (الإسلام مع العلم والفلسفة)

ذلك ما كنا نوده وما كان يظنه الكثيرون.

فكانت خلاصة المحاضرة أن السيد جمال الدين الذي اشتهر في العالم

الإسلامي كله بأنه حكيم الإسلام وموقظ شعوبه والداعية إلى تجديد مجده وإعزاز

دولته بهدي الدين وعدو الإلحاد وصاحب تلك الحملة المنصورة على أهله في رده

على الدهريين - قد كان ما كان من أمره في ذلك محصورا في حياته قبل أن يذهب

إلى أوربة - بل إلى باريس - وإنما كان الغرض سياسي، وأنه بعد وصوله إلى

مدينة الكفر والإلحاد واجتماعه برينان وأمثاله في أوائل سنة 1883 قد تطور فكره

في أقل من ثلاث سنين، فمرق من الدين، واعتقد أنه عدو للعلم والعقل والمدنية،

حتى إنه قبل بكل تعظيم وارتياح طعن رينان في الإسلام، وعظمه وأثنى عليه من

جرائه أطيب الثناء، على ما سنبينه بالإجمال من بطلانه وسخفه الذي لا يخفى على

طالب علم بله حكيم الإسلام، ومكمل تربية الأستاذ الإمام.

بهذا أجاب الأستاذ الشيخ مصطفى عن المقارنة بين رد السيد على رينان سنة

1883 وبين سائر محرراته حتى رده على الدهريين الذي كتبه سنة 1881 - وهذا

سر ذلك التدقيق التاريخي الذي أشرنا إليه في فاتحة هذه الكلمة، ولكن المعروف من

تاريخ السيد الحكيم، ومن محرراته في سنة 1883 وما بعدها أنه لم يزدد بعد

إقامته في أوربة - وباريس خاصة - إلا استمساكا بعروة الإسلام الوثقى ودفاعا عنه

ودعوة إلى النهضة الإسلامية المدنية بهدايته العالية. وخلاصة المحاضرة أن

فليسوفي الشرق والغرب قد اتفقا على إثبات عداوة الدين للعلم والعقل وحرية الفكر

لا فرق بين الإسلام وغيره.

علمنا أن صاحب المحاضرة كان يبحث منذ سنين عن آثار السيد جمال الدين

والشيخ محمد عبده، فهل كل هذا التعب كان لأجل هذه النتيجة المستنبطة من تلك

المقدمات غير المسلمة؟

الدفاع عن السيد جمال الدين:

إننا نرى التعارض تاما بين هذا الرد الذي استخرجه لنا صاحب هذه

المحاضرة من ترجمة ألمانية عن ترجمة فرنسية لم يرها عن أصل عربي مفقود -

وبين سيرة السيد ومكتوباته وما روى الثقات عنه من أول عمره إلى آخره حيث كان

في الآستانة يختلف إليه العلماء والكتاب والأذكياء الذين لقينا كثيرا منهم، فأي

الأمرين نرجح؟

لدينا رجل معروف مشهور، روى لنا عنه آراءه وأفكاره كثير من العلماء

والفضلاء من أقطار مختلفة عاشروه وتلقوا عنه، منهم من توفي كالأستاذ الإمام

والأستاذ الشيخ عبد الكريم سلمان والأستاذ إبراهيم اللقاني الذي كان أقرب الناس

إليه، وألصقهم به وأكثرهم استفادة منه، ومنهم الأحياء كالأستاذ الشيخ بخيت

والأستاذ إبراهيم بك الهلباوي، ومنهم آخرون من أهل سورية والآستانة وغيرها من

الأقطار كالأمير شكيب أرسلان والشيخ طاهر الكيال والشيخ عبد القادر المغربي

وله آثار مخطوطة ومطبوعة في عصره، أشهرها رسالة الرد على الدهريين،

وجريدة العروة الوثقى التي نشرها بباريس سنة 1884.

كل ذلك متفق في تعريف الرجل إلينا أو تعريفنا به، ويعارضه تلخيص

بالعربية عن ترجمة ألمانية لترجمة فرنسية لرده بالعربية على رينان، فيه إبهام

التلخيص واحتمال الخطأ فيه وعدم الثقة بمطابقة الترجمة الألمانية للفرنسية

والترجمة الفرنسية للأصل العربي الذي كتبه السيد ردا على رينان، فإذا هو بهذه

الظلمات الثلاث أقرب إلى التأييد منه إلى الرد، والمشهور أنه رد على أننا فهمنا منه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٤٩