كلامية في استحالة الترجيح بغير مرجح، والممكن والواجب. لم أفهمها فعلمت أنه
شاك ولا يستطيع أن يقيم برهانا علميا واضحا. والذنب على الدكتور شمبل الذي
كان خالي الذهن من تلك الأصول والقواعد العقلية التي اعتمد عليها متكلمو الإسلام
في المسائل الإلهية، فظن أن السيد يقول ما لا يفهم؛ لأنه هو لم يفهم ما قاله السيد.
أرى في هذا البلد أفرادا يعنون في هذه الأيام بإفساد عقائد المسلمين وتجرئتهم
على الكفر وعلى الفسق أيضا [1] حتى زعم بعضهم أن أكثر المسلمين كانوا كذلك في
القرن الثاني للهجرة مرتابين في الدين وفاسقين عنه بدليل ما يوجد في بعض
كتب الخلاعة والأخبار من حكاية ما يؤثر في ذلك عن بعض الأفراد من الشعراء
والمغنين والمخنثين! على أن رواة هذه الأخبار لا يثق بهم، وأين هم من كتب
المحدثين الثقات وتراجم العلماء والصلحاء الذين ملأوا الدنيا علما وفضلا وقدوة
صالحة؛ إنهم لا يستطيعون قراءة أمثال هذه الكتب ولا تصديق مؤلفيها {ولكل
وجهة هو موليها} (البقرة: 148) .
وأما نحن فإننا لا نقبل إلا رواية الثقات العدول وننصح للناس أن يعرضوا عن
اللغو والفضول، وروايات من لا يوثق بعدالتهم، ولا سيما إذا كانت مخالفة
للروايات الصحيحة التي تعارضها. وعلماء نقد الحديث يردون رواية العدل
المعروف بالصدق إذا خالفت روايات الثقات الأثبات المعروفة، فآراء حكيم الإسلام
السيد جمال الدين الأفغاني مدونة في رده على الدهريين وفي مقالات (العروة
الوثقى) وغيرها برواية الثقات، وقد طبعت في عصره وتلقاها الألوف ومئات
الألوف في الشرق والغرب، فهل يصح أن نردها بجمل مقتضبة منقولة عمن لا يوثق
بهم بعد مرورها من مضيق لغات مختلفة تعودنا أن نسمع من أهلها الاختلاق علينا في
ديننا وتاريخنا وسياستنا؟ كلا إنه لو صح ما فعلوه فيها عن السيد جمال الدين لكانت
دليلا على جهله فيما نعلم أنه من أعلم الناس به، وعلى تناقضه وعلى كذبه ونفاقه.
ولو كان ذلك - أجل الله قدره - لما صح أن يكون قدوة لأحد، وفات على دعاة
الإلحاد أن يتخذوه قدوة فيه للناس، كيف وهو الذي أحيا النهضة العلمية والسياسية في
الإسلام. رحمه الله وبرأه من تهم أعداء الأديان، كرينان ومقلدة رينان، ونحن إنما
نهتدي بقوله تعالى: {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين
هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب} (الزمر: 17-18) .
***
كلمة المنار في المحاضرة
(1)
كتبنا كلمتنا العجلى للأهرام عقب حضور المحاضرة بحافز التأثير السيئ الذي
كان لها في نفسنا، وفي أنفس الجمهور كما علمنا، كما أن أحد أساتذة الجامعة جاء
الأهرام في تلك الليلة بكلمة أثنى فيها على المحاضرة، وزعم أن الجمهور تلقاها
بالقبول والارتياح ... ورغب إلى رئيس تحريرها أن ينشرها في الجريدة على أن
تكون باسمها ففعل، ثم استكتبوا رضا توفيق بك الملقب بالفيلسوف التركي مقالة في
الثناء على المحاضرة وتحبيذ موضوعها والتنويه بأمر الجامعة المصرية وأساتذتها
ونشروها.
ونحن وعدنا في كلمتنا العجلى أن نعود إلى الموضوع فنجليه في المنار -
والمنار أجدر به - لأجل أن نكتب ما نرى فيه الفائدة بعد قراءة المحاضرة؛ لعلمنا
بأن ستنشر في جريدة (السياسة) التي كانت خصصت بعض صفحاتها لنشر أمثالها،
فلما قرأناها ظهر لنا ما كان خفي علينا عند سماعها، وأوله افتتاحها بتدقيق البحث
في تاريخ إخراج السيد جمال الدين من مصر واعتقاله في الهند ومجيئه إلى باريس،
فقد أطال فيها بما لم ينشر كله في صحيفة السياسة إذ لم يكن مكتوبا، وكان هو أول
ما تبرم به السامعون ونكروه فإنهم لم يحضروا لأجل سماع تاريخ السيد في أسفاره
وتحرير القول في تاريخها، ونرى أن نقسم القول في المنار إلى بيان ما ظهر لنا
من غرض الأستاذ الشيخ مصطفى من المحاضرة، فالدفاع عما رمى به السيد جمال