تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير ما فهمه صاحب المحاضرة.

فأي هذين الأمرين المتعارضين نرجح؟ أفهمنا المؤيد بالآثار المخطوطات

والمطبوعات وبروايات الثقات الأثبات، أم فهمه المعارض بكل ما ذكرنا الذي تعلوه

تلك الظلمات الثلاث، إننا نرى أهل الفرق المختلفين في أصول الدين الواحد منهم

على مذهبه بنصوص من كتاب ذلك الدين الإلهي، وكذلك المختلفون في الفروع قد

يرد بعضهم على بعض بنصوص الكتاب وأقوال الرسل عليهم السلام، بل نرى

أهل دين يستدلون بكتاب غير كتابهم على خلاف ما أجمع عليه المؤمنون بذلك

الكتاب، كما ألف بعض دعاة النصرانية كتابا استدل فيه بآيات من القرآن على أن

التوراة والإنجيل اللذين بأيدي أهل الكتاب حق كما أنزلهما الله وأنه لا تحريف فيهما

ولا تبديل، وأنه يجب العمل بهما بعد الإسلام! !

إننا نجد فيما لخصه الأستاذ صاحب المحاضرة من رد السيد جمال الدين على

رينان جملا متفرقة تخالف جملا أخرى منها وتحول دون صحة النتيجة التي

استنبطها من مجموع الرد وقد يؤيدها في ذلك جملة من تلخيص رد رينان على

السيد.

أول ما لخصه من رد السيد قوله:

(تشتمل محاضرة الموسيو رينان على نقطتين أساسيتين، فقد حاول هذا

المفكر العظيم أن يبرهن على أن الديانة الإسلامية كانت بما لها من نشأة خاصة

تناهض العلم وأن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة ولا

للفلسفة.

ويظهر أن الموسيو رينان يقول: إن هذه النبتة الصالحة ذبلت في أيدي

المسلمين كما يذبل النبات تلفحه ريح الصحراء الساخنة.

وإن المرء ليتساءل بعد أن يقرأ المحاضرة عن آخرها: أصدر هذا الشر عن

الديانة الإسلامية نفسها؟ أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها الديانة الإسلامية

في العالم ? أم أن أخلاق الشعوب التي اعتنقت هذا الدين أو حملت على اعتناقه

بالقوة - وعاداتها ومواهبها الطبيعية - هي جميعا مصدر ذلك؟

ولا ريب [2] أن الوقت المخصص لرينان قد حال دون إجلائه هذه النقطة)

اه. بحروفه.

فيؤخذ من هذه الجملة أو الجمل أمور:

(أحدها) أن السيد صرح بأن رينان يحاول أن يبرهن على نظريته في

الإسلام، لا أنه برهن، ومعنى (حاوله) طلبه بحيلة كما بينه الزمخشري في أساس

البلاغة، وإنما يلجأ إلى الحيلة العاجز.

(ثانيا) : أنه حاول ذلك بأخذه من نشأة هذا الدين الخاصة وكون العرب

الذين نزل كتابه بلغتهم غير مستعدين للعلم والفلسفة، لا من طبيعته وتعاليمه.

(ثالثها) : أن الإسلام نفسه نبتة صالحة - أو العلوم - فالعبارة محتملة،

وأنها ذبلت في أيدي المسلمين وتصوحت كما يتصوح النبات الغض تلفحه ريح

السموم.

ومعنى هذا على الوجه الثاني أن العلوم وجدت في عهد الإسلام ثم ذبلت،

وهذا حق، فالتاريخ يشهد أن العرب هم الذين أحيوا العلم والفلسفة بعد أن أخرجهم

الإسلام من أميتهم، وأنها إنما ذبلت بعد ضعف دولهم، ثم جفت ويبست بعد زوال

تلك الدول، وسيأتي تفصيل ذلك.

(رابعها) قوله: إن المرء ليتساءل بعد أن يقرأ المحاضرة عن آخرها:

أصدر هذا الشر عن الديانة الإسلامية نفسها؟ أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت

بها الديانة الإسلامية.. إلخ ما تقدم.

والذي يتفق مع سيرة السيد مجملة ومفصلة - بل الذي نقل عنه صراحة - هو

أن إسلام القرآن أكمل هداية للبشر، وأنه كافل للمدنية الفاضلة التي مات الفلاسفة

والحكماء في حسرة من فقدها وعدم اهتداء السبيل إليها، وأن المسلمين لم يقوموا بكل

ما أرشد إليه الإسلام من كل وجه، وأنهم جنوا على دينهم حتى نفروا الناس منه في

القرون الأخيرة، وقد نقلنا في الكلمة العجلى بعض ما روى لنا الثقات عنه في آخر

عمره في الآستانة، أي بعد التطور الذي استنبطه الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق

فكان منشأ أغلاطه. ومما يؤثر عنه وسمعه منه الكثيرون: أن القرآن لا يزال بكرا لم

يفسره أحد حق تفسيره، وأن فيه من الهداية ما يناسب كل عصر، وأن المسلمين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٥٠