تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عادوا كل علم حتى صاروا إلى ما كان يسعى السيد لتلافيه وتداركه، فكأنه يقول

لرينان: كل ما ذكرت من عداوة الإسلام للعلم مما تكثر الشواهد عليه في التاريخ -

وإن كانت قليلة في عهد الإسلام بالنسبة إلى غيره من الأديان - فهو الإسلام الذي

فهمه خطأ أولئك الذين عادوا العلم والعقل والحضارة لا إسلام القرآن الذي يخاطب

العقل ويرفع شأن العلم في آيات كثيرة، ويبين أن لله سننا في الكون قام بها نظامه،

وأن هذه السنن لا تبديل لها ولا تحويل.

من الكلمات المأثورة عن السيد جمال الدين: إن القرآن وحده كاف لرفع

البشر إلى أرقى مقام من العلم والعرفان والفضائل والحضارة، لو أن شعبا وجده

على صخرة في جزيرة بالبحر لم ير غيره. وليس معنى هذا أن فيه مسائل جميع

العلوم والفنون التي يرقى بها البشر، وإنما معناه أنه يصلح العقول والأنفس ويدفعها

بهدايته إلى طلب هذا الكمال.

وكتب إلي صديقي الشيخ عبد القادر المغربي من الآستانة أيام كان السيد فيها

أنه زاره فكان مما سمعه منه أنه ليس بين أوربا وبين القرآن من حجاب يمنعهم من

الاهتداء به إلا نحن معاشر المسلمين. قال: إنه رفع كفيه ووضعهما أمام وجهه

وفرج بين أصابعه وقال: ينظرون إلينا من خلال القرآن هكذا فيرون وراءه شعوبا

قد فشا فيها الجهل والفقر والكسل و.. و.. فيقولون: لولا أن تعاليمه باطلة لما كان

أتباعه بهذه الدركة من الانحطاط! فإذا أردنا أن نهديهم إلى الإسلام فلنقنعهم أولا أننا

لسنا مسلمين.

وقد سألت الأستاذ الإمام: هل وفى السيد بما وعد به من كتابة كتاب يثبت فيه

أن المدينة الفاضلة التي مات الحكماء بحسرة من فقدها لا تختط في العالم إلا بالدين

الإسلامي؟ فقال: لا أعلم أنه كتب شيئا بهذا العنوان، ولكنه كتب كتابا أو قال

رسالة فارسية في العدالة العامة أثبت فيها هذه القضية، ولا أعلم ما فعل الله بهذا

الكتاب أو الرسالة (الشك مني) .

ومن أراد أن يعرف رأي السيد في تأثير الإسلام في إصلاح البشر فليقرأ

مقالات (العروة الوثقى) الاجتماعية في الجزء الثاني من تاريخ الأستاذ الإمام. وأما

موضوع الإسلام والعلم فقد فصله الأستاذ الإمام في كتاب (الإسلام والنصرانية)

تفصيلا. وسأعود إلى هذا الموضوع فأوفيه حقه في المنار إن شاء الله تعالى.

فعلم من هذا أن الذي يتفق مع ما كتبه السيد جمال الدين أو أملاه في حقيقة

الإسلام وكونه دين الحكمة والعقل والمدنية - هو أنه قد وافق على أن الإسلام

الممزوج بالبدع هو ذلك الذي اضطهد بعض أهله رجال العلم، كما كان يقول في

مجالسه بمصر عند رده على بعض آراء الأشعري في الكسب والجبر والتحسين

والتقبيح العقليين: إن دين الأشعري في المسألة كذا وإن إله الأشعري قادر مريد،

غير حكيم.

ويحب الملحد أن يكون عظماء الرجال ملاحدة مثله، وإذا كان من منتحلي

الفلسفة والعلم والباحثين في الأدلة يظن أن من عرف بالعقل والعلم والحكمة لا يمكن

أن يكون ذا دين. وهذا ما كان يحمل بعض الناس على القول بأن جمال الدين

ومحمد عبده غير متدينين.

وقد كان يسألني بعض من يعرفون مني الصدق: هل الأستاذ الإمام متدين

بالفعل اعتقادا وعملا؟ بل كثيرا ما سألني مثل هذا السؤال عن نفسي من يحسنون

الظن بي ويعدونني من (المتنورين) مثلهم ? وآخر من سألني هذا السؤال عن

نفسي أديب في حضرة جماعة من المسلمين والمسيحيين، منهم سليم أفندي سركيس

الكاتب المشهور، وموضوع السؤال الإيمان بالبعث والحياة الأخرى بعد الموت،

وقد أجبتهم بما أزال استبعادهم للبعث، وصورته لهم بصورة تتفق مع العلوم والفنون

العصرية ولا سيما الكيمياء حتى اعترفوا بذلك.

إن الملحد يحكم على غيره بالإلحاد بأدنى شبهة، وقد حدثني الدكتور شميل أنه

سأل السيد جمال الدين عن الدليل على وجود الله تعالى! قال: فشرع يذكر لي قواعد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٤٧