شمال المسجد بالمدينة النبوية، كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل
ولا مكان يأوي إليه. وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه والمؤمنين أن
يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن به من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس
والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار عز ومنعة - جعل
المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة، وكان المؤمنون السابقون بها
صنفين: المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم، والأنصار الذين هم أهل المدينة
وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر، وآخرون
كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس، وآخرون كانوا
مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم، وكل هذه الأصناف مذكورة في
القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم، قال الله تعالى:
{إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا
ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من
شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم
ميثاق والله بما تعملون بصير * والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن
فتنة في الأرض وفساد كبير * والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين
آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} (الأنفال: 72-
74) فهذا في السابقين ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال: {والذين آمنوا من
بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في
كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} (الأنفال: 75) وقال تعالى: {والسابقون
الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا
عنه} (التوبة: 100) الآية، وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين
من أهل المدينة وممن حولها، وقال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم
قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة
فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال
والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو
عنهم وكان الله عفوا غفورا} (النساء: 97-99) .
فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على
الأنصار بأهله أو بغير أهله؛ لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم، وكان
في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم، وكان النبي
صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم. ثم صار
المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئا بعد شيء، فإن الإسلام صار ينتشر والناس
يدخلون فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه، وتارة بسراياه
فيسلم خلق تارة ظاهرا وباطنا، وتارة ظاهرا فقط، ويكثر المهاجرون إلى المدينة من
الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب، فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي
إلى تلك الصفة التي في المسجد. ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت
واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجيء ناس بعد ناس
وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون. فتارة يكونون عشرة أو أقل، وتارة يكونون
عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين.
وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد قيل: كانوا نحو أربعمائة من
الصحابة، وقد قيل: كانوا أكثر من ذلك. جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن
السلمي ولم يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة [1] وكان معتنيا بجمع
أخبار النساك والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم، وجمع
أخبار زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا.