عن العمل.
وليست الإحالة على المقادير إلا ضلة من ضلالات النفوس الضعيفة تغلب
عليها الكسل وناءت بحمل واجباتها فاستنامت للأقدار، وحكمتها في نفسها تفعل ما
تشاء وتختار، عندي أن هذا الفتور الذي عم المسلمين إنما كان ناشئا عن عوائد
الترف والإخلاد للراحة والنعيم فهو عجز عن العمل لا عقيدة، وعلى كل حال فليس
القرآن هو الذي يدعو إليه، اللهم إلا إذا أرادوا تفسير بعض الآيات على غير ما
اشتملت عليه حقيقة. الإسلام شعور يدرك به الإنسان ضعفه وعجزه وافتقاره لخالقه
ووجوب الخضوع له والركون لعليائه، ولكن ليس ثم ما ينبئ بنبذ أجمل قوة
وأشرف موهبة اختصنا بها الباري سبحانه وهي الإرادة) .
(وقد تكلم في هذا الموضوع قبلنا (فيل وسبرنج) فلنجمع صوتي إلى
أصواتهما ونقول: إن هذا الدين لدين عمل لا فشل رغم معتقد الجمهور) .
وقال غستاف لوبون الفيلسوف الشهير صاحب كتاب (سر تطور المادة) في
كتابه (حضارة العرب) ما يأتي:
القرآن لم يأمر الناس بترك السعي والعمل أو الانسلاخ عن خوض غمرات
التنافس الحيوي، فهو في هذا الموضوع لم يأت بأكثر مما في الكتب السالفة
(التوراة) مثلا.
يعترف نخبة من الفلاسفة أن مجرى الأمور لا يلحقه تبديل، ونظام الخليقة
بيد مبدعة لا يعتريه تغيير، فقد قال لوثر، منقح الديانة المسيحية: تتفق معظم
آيات الكتاب في صعيد واحد على مناسبة (الحكم الحر arditre Lidre) وهذه
الآيات لا أحصي لها عددا بل هي الكتاب بأجمعه، وهذه عقيدة القضاء والقدر
مفعمة بها الكتب الدينية لكل الأمم، وقد اعتنى بها الأقدمون واعتبروها قوة دونها
قوى الرجال والآلهة والحوادث التي سطرتها لا يشكون في وقوعها، فهذا (أوديب)
حين أخبره الكاهن أنه سيقتل أباه ويتزوج بأمه حاول عبثا إيقاف هذا الأمر،
فطفق يقدم النذور وأنواع القربات للآلهة بدون جدوى إلى أن ضربت الأيام
بضرباتها، فإذا هو متزوج بأمه قاتل أباه كما هو مشهور، فالنبي العربي صلى الله
عليه وسلم لم يأت بشيء عجاب، فإنه لم يخالف طريقة متقدميه ولا طريقة من بعده
أي علماء العصر الحاضر فإنهم يقولون كما قاله لابلاص وبنيتر: إن علم (الله)
يكتنفه في طرفة عين القوى والأسرار التي في الطبيعة على اتساعها وتباعد
أطرافها ويحيط خبرا بأحوال الكائنات التي وضعت فيها كبيرها وصغيرها دقيقها
وجليلها من شأنه أن لا يفوته شيء وأن يكون علم المستقبل لديه كعلمه الماضي.
ثم إن عقيدة القضاء والقدر الشائعة في فلسفة الشرقيين وديدن بعض فلاسفة
العصر هي نوع من الصبر والجلد على تلقي مكاره هذه الحياة ودرع حصينة
لمكافحة النوائب والمضاضات، وقد كان العرب عاملين بهذه العقيدة في جاهليتهم،
ثم استمر عليها المسلمون ولم تدخل في شيء من ارتقائهم ولا من انحطاطهم اه.
(المنار)
إن ما شرحناه من حقيقة معنى القدر في القرآن ينقض بناء عقيدة الجبر التي
اتبعنا بها سنن من قبلنا وفتن بها كثير من المتكلمين والصوفية، فكان لها ذلك
التأثير الذي حسبه كثير من علماء الغرب من الإسلام وما هو منه، بل سرى إلى
أهله ممن قبلهم كما فطن لذلك بعض المحققين منهم.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: أحمد كمال
-----------------
<span class="footnote">