ثم نظر الدكتور إنبساطو نظرة إجمالية في الأساليب الاستعمارية التي تسلكها
الدول الأروباوية بمستعمراتها، فأبدى رأيه في كل منها ومما قاله في هذا الشأن:
إن سياسة فرنسة بالممالك التابعة لها وإن نالت الأرجحية نظرا لما امتازت به
عن غيرها من حرية الإدارة والتسامح الفكري إلا أنها تفتقر إلى فكرة إدارية واسعة
بدونها لا يمكن الحصول على الثمرة المطلوبة من الأعمال العظيمة التي قامت بها
هناك، ثم قال: إنه يجب أن ترتكز سياسة البلاد الإسلامية على معرفة نظامات
الإسلام معرفة دقيقة، ومن هنا انتقل المؤلف إلى درس السلطة في الإسلام والقواعد
التي تستند إليها، فأتى في هذا البحث العويص بأفكار دلت على تضلعه من الفقه
الإسلامي وتاريخ المسلمين فقال: (إن القرآن الشريف وأعمال الخلفاء الراشدين
هي الأصول التي قامت عليها الديانة الإسلامية وحياة الأمم الخاضعة لأحكامها
وإن من أراد أن يفهم شؤونهم وحملهم على المشاركة السياسية يجب عليه أن يقبل
مبدئيا كافة قواعد دينهم لأنه لا سبيل إلى التفاهم مع المسلمين إلا إذا عرفوا كما هم
لا كما يراد أن يكونوا، والصعوبة الوحيدة التي تعترض السياسي في هذا الطريق
إنما هي التمييز بين ما لا يتبدل في الإسلام وبين ما هو قابل للتغيير والتطور
والانطباق على الحالات الحياتية الجديدة، لأن هذا الدين له خاصية أساسية يجب
أن لا نغفل عنها أبدا وهي ملاءمته لكل الظروف بدون خروج عن حدوده الأصلية
وصلوحيته لكل الأجيال والأقاليم والأخلاق، ومن الغلط أن نعتقد أن المذاهب
الأربعة المضبوطة من حيث شكلها هي قواعد مؤبدة تقضي على الإسلام بالانكماش
والجمود، بل إنها قابلة للانطباق على نواميس الحياة العصرية ولا يصعب التوفيق
بينها وبين المدنية الحديثة - ذلك لأن سنة النبي تمثل تلك الصفة العالية التي
اختص بها الإسلام ألا وهي ملاءمته لجميع الشعوب والأجناس مهما اختلفت منازلها
وألوانها، إلا أنه يجب على الباحث الأوربي أن يتجنب الآراء الضالة والأغلاط
النفسانية الناشئة عن عدم فهم السنة على حقيقتها، ولذلك تحتم على حكومة الخلافة
اليوم إلغاء كل ما قيل أو قرر في الإسلام بعد عهد الخلفاء الراشدين، ولا أقصد
بذلك أنه يجب إعدام أو إهمال أو مس هيكل العالم الإسلامي الذي وهب العالم أكثر
القوانين دواما وأدقها من عدة وجوه، ولكن حيث إن حكومة الخلافة سنية بكل معنى
الكلمة فإنها تستفيد من آثار كل المشرعين الذين منهم الأئمة الأربعة وتسلخ منها ما
تراه موصلا لنهوض الأمم الإسلامية وسلما ترقى به للحياة والمدنية العصرية) .
ومن هنا انتقل المؤلف إلى درس مسألة الجهاد على اختلاف أطوارها
وشروطها فقال: إن الحرب مستحيلة قانونا بين الأفراد والأمم التي لها اتفاقات مع
المسلمين، وإن عقد معاهدات معهم طبق أصول الشريعة المطهرة تضمن لنا السلم
المطلق مع كافة أشياع النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - المنتشرين في العالم
أجمع، الخاضعين لتعاليم الكتاب والسنة المحمدية، ثم بسط القول على أركان
الإسلام التي يجب على الدول الغربية احترامها وبالأخص الحج إلى البيت الحرام،
وختم كتابه البليغ بشرح مسألة الخلافة ودار الإسلام فقال: لا يمكن أن تحل مسألة
الخلافة حلا أوربيا، لأنها مسألة دينية بحتة وليس لغير المسلمين حق في فصلها
وإنهائها، ولا يجوز لأوربة المسيحية حملهم على تسويتها أو إكراههم على ذلك بوجه
من الوجوه، وعلى كل حال فالخليفة يجب أن يكون حرا بدار الإسلام الأمر الذي
يستلزم استقلال المدن الثلاث، وهي مكة والمدينة والقدس وكذا الآستانة العلية
عن كل سلطة مسيحية، وليست المشاكل التي ظهرت في الشرق بعد معاهدة سيفر
إلا نتيجة تعامي إنجلترة عن التصديق بهذا المبدأ المسلم، ومن هنا تخلص الدكتور
إنسباطو إلى إبداء رأيه في السياسة التي ينبغي سلوكها مع المسلمين فحقق أن