تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزلي الحق

وأما الصفات المعنوية عندهم فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة، وهي كونه تعالى قادرا، مريدا عالما حيا، سميعا بصيرا، متكلما. والتحقيق أنها عبارة عن كيفية الإتصاف بالمعاني، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني، مبني على ما يسمونه الحال المعنوية. زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود، ولا معدوم. والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها. لأن العقل الصحيح حاكم حكما لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة. فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان، ولا يرتفعان، ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود، فإنه معدوم قطعا، وكل ما هو غير معدوم، فإنه موجود قطعا، و هذا مما لا شك فيه كما ترى. وقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة الخالق للمخلوق، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا أنها صفات زائدة على صفات المعاني. مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بها. وأما الصفات السلبية عندهم فهي خمس، وهي عندهم القدم، والبقاء، والوحدانية، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق، المعروف عندهم بالقيام بالنفس. وضابط الصفة السلبية عندهم هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلا، إنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله.

أما الصفة التي تدل على معنى وجودي فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى، فالقدم مثلا عندهم لا معنى له بالمطابقة، إلا سلب العدم السابق، فإن قيل القدرة مثلا تدل على سلب العجز، والعلم يدل على سلب الجهل، والحياة تدل على سلب الموت، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضا؟ فالجواب أن القدرة مثلا تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات، وهو الصفة التي يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة، وإنما سلبت العجز بواسطة مقدمة عقلية، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه نفي ضده عنها لاستحالة اجتماع الضدين عقلا، وهكذا في باقي المعاني. أما القدم عندهم مثلا فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود، إلا سلب العدم السابق، وهكذا في باقي السلبيات، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن القدم. والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين، أنه وصف بهما نفسه في قوله تعالى

هو الأول والآخر

الحديد 3 الآية، جاء في القرآن الكريم وصف الحادث بهما أيضا، قال في وصف الحادث بالقدم

والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم

يس 39، وقال

قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم

يوسف 95، وقال

أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآبآؤكم الأقدمون

الشعراء 75-76، وقال في وصف الحادث بالبقاء

وجعلنا ذريته هم الباقين

الصافات 77، وقال

ما عندكم ينفد وما عند الله باق

النحل 96، وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية المذكورتين في الآية. قال

ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين

المرسلات 16-17، ووصف نفسه بأنه واحد، قال

وإلهكم إله واحد

البقرة 163، وقال في وصف الحادث بذلك.

يسقى بمآء واحد

الرعد 4 وقال في وصف نفسه بالغنى،

والله هو الغني الحميد

فاطر 15،

وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد

إبراهيم 8، وقال في وصف الحادث بالغنى

ومن كان غنيا فليستعفف

النساء 6 الآية،

إن يكونوا فقرآء يغنهم الله

النور 32 الآية، فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، والحادث موصوف بها أيضا على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه، وعجزه وافتقاره، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق، كما بيناه في صفات المعاني. وأما الصفة النفسية عندهم فهي واحدة، وهي الوجود، وقد علمت ما في إطلاقها على الله، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة، كأبي الحسن الأشعري، وعلى كل حال، فلا يخفى أن الخالق موجود، والمخلوق موجود، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق، كما بينا. ومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان، زاعما أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم. وأما الصفات الفعلية، فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته، فمن ذلك وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه، قال

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٤٧