7.5
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن تلك القرى الكثيرة التي أهلكها في حال البينات، أو في حال القيلولة، لم يكن لهم من الدعوى إلا اعترافهم بأنهم كانوا ظالمين. وأوضح هذا المعنى في قوله
وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين
الأنبياء 11-15. قال ابن جرير - رحمه الله - في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم "
حدثنا بذلك ابن حميد. حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال قال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم "
قال قلت لعبد الله كيف يكون ذلك؟ قال فقرأ هذه الآية ﴿ فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ﴾ الأعراف 5.
7.6
لم يبين هنا الشيء المسؤول عنه المرسلون، ولا الشيء المسؤول عنه الذين أرسل إليهم. وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم. قال في الأول
يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم
المائدة 109. وقال في الثاني
ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين
القصص 65. وبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعلمون، وهو قوله تعالى
فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون
الحجر 92-93. وهنا إشكال معروف وهو أنه تعالى قال هنا ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾ الأعراف 6، وقال أيضا
فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون
الحجر 92-93، وقال
وقفوهم إنهم مسئولون
الصافات 24، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال
ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون
القصص 78، وقال
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
الرحمن 39. وقد بينا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب وسنزيده إيضاحا هنا إن شاء الله تعالى. اعلم أولا أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة. أخص من السؤال المثبت فيها. لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالا عن ذنوب خاصة. فإنه قال
ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون
القصص 78 فخصه بكونه عن الذنوب، وقال
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
الرحمن 39 فخصه بذلك أيضا. فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل والموؤودة مثلا ليس عن ذنب فعلوه فلا مانع من وقوعه. لأن المنفي خصوص السؤال عن ذنب، ويزيد ذلك إيضاحا قوله تعالى
ليسأل الصادقين عن صدقهم
الأحزاب 8 الآية، وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
المائدة 116 الآية.
قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم
المائدة 119 الآية، والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات المراد به سؤال الاستخبار والاستعلام. لأنه جل وعلا محيط علمه بكل شيء، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ والتقريع. لأنه نوع من أنواع العذاب، ويدل لهذا أن سؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله
وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون
الصافات 24-25. وقوله
أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون
الطور 15. إلى غير ذلك من الآيات وباقي أوجه الجمع مبين في كتابنا المذكور - والعلم عند الله تعالى-.