تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم

التوبة46 الآية. وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله

لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة

التوبة 47 الآية، ونظير ذلك قوله تعالى

ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون

المؤمنون 75 إلى غير ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر أن اعترافهم هذا بقولهم

لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا

الأعراف 43 لا ينفعهم كقوله تعالى

فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير

الملك 11، وقوله

بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين

الزمر 71، ونحو ذلك من الآيات.

7.54

قوله تعالى ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴾. لم يفصل هنا ذلك، ولكنه فصله في سورة " فصلت " بقوله

قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها

فصلت 9-12. قوله تعالى ﴿ ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله

يد الله فوق أيديهم

الفتح 10 ونحو ذلك. أشكلت على كثير من الناس إشكالا ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة، فصار قوم إلى تعطيل وقوم إلى التشبيه - سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن ذلك كله - والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال، وحاصل تحرير ذلك أنه جل وعلا بين أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين أحدهما تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. والثاني الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. لأنه لا يصف الله اعلم بالله من الله

أأنتم أعلم أم الله

البقرة 140، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه

وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى

النجم 3-4 فمن نفى عن الله وصفا أثبته لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم زاعما أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله جل وعلا، فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جل وعلا.

سبحانك هذا بهتان عظيم

النور 16. ومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق، فهو مشبه ملحد ضال، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال، والتنزيه عن مشابهة الخلق، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا. هي قوله تعالى

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

الشورى 11 فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله ﴿ وهو السميع البصير ﴾ فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال. والظاهر أن السر في تعبيره بقوله ﴿ وهو السميع البصير ﴾ دون أن يقول مثلا وهو العلي العظيم أو نحو ذلك من الصفات الجامعة.

أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات. فبين أن الله متصف بهما، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى، وبين صفات خلقه. ولذا جاء بقوله ﴿ وهو السميع البصير ﴾ بعد قوله ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ ففي هذه الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات لا لبس معه ولا شبهة البتة، وسنوضح إن شاء الله هذه المسألة إيضاحا تاما بحسب طاقتنا، وبالله جل وعلا التوفيق. اعلم أولا أن المتكلمين قسموا صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام صفة نفسية، وصفة سلبية، وصفة معنى، وصفة معنوية، وصفة فعلية، وصفة جامعة، والصفة الإضافية تتداخل مع الفعلية. لأن كل صفى فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة، فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة، وتتفرد الفعلية في نحو الاستواء، وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى كان موجودا قبل كل شيء، وأنه فوق كل شيء، لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية، وليستا من صفات الأفعال، ولا يخفى على عالم بالقوانين الكلامية والمنطقية أن إطلاق النفسية على شيء من صفاته جل وعلا أنه لا يجوز، وأن فيه من الجراءة على الله جل وعلا ما الله عالم به، وإن كان قصدهم بالنفسية في حق الله الوجود فقط وهو صحيح، لأن الإطلاق الموهم للمحذور في حقه تعالى لا يجوز، وإن كان المقصود به صحيحا. لأن الصفة النفسية في الإصطلاح لا تكون إلا جنسا أو فصلا، فالجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، والفصل كالنطق بالنسبة إلى الإنسان والفرس والحمار، وأن الفصل صفة نفسية لبعض أفراد الجنس ينفصل بها عن غيره من الأفراد المشاركة له في الجنس كالنطق بالنسبة إلى الإنسان، فإنه صفته النفسية التي تفصله عن الفرس مثلا المشارك له في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية، ووصف الله جل وعلا بشيء يراد به اصطلاحا ما بينا لك. من أعظم الجراءة على الله تعالى كما ترى. لأنه جل وعلا واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس بينه وبين غيره اشتراك في شيء من ذاته، ولا من صفاته، حتى يطلق عليه ما يطلق على الجنس والفصل - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة. والفصل هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض سبحان رب السماوات والأرض وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وسنبين لك أن جميع الصفات على تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وهم في بعض ذلك يقرون بأن الخالق موصوف بها، وأنها جاء في القرآن أيضا وصف المخلوق بها، ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق، ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به لأن الكل من باب واحد، لأن جميع صفات الله جل وعلا من باب واحد، لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من الحوادث.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٣٤٥