7.172-173
في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء أحدهما أن معنى أخذه ذرية بني آدم من ظهورهم هو إيجاد قرن منهم بعد قرن، وإنشاء قوم بعد آخرين كما قال تعالى
كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين
الأنعام 133، وقال
هو الذي جعلكم خلائف في الأرض
فاطر39
ويجعلكم حلفآء
النمل 62، ونحو ذلك من الآيات وعلى هذا القول فمعنى قوله ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴾ أن إشهادهم على أنفسهم إنما هو بما نصب لهم من الأدلة القاطعة بأنه ربهم المستحق منهم لأن يعبدوه، وحده، وعليه فمعنى قالوا بلى، أي قالوا ذلك بلسان حالهم لظهور الأدلة عليه ونظيره من إطلاق الشهادة على شهادة لسان الحال قوله تعالى
ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر
التوبة 17 أي بلسان حالهم على القول بذلك، وقوله تعالى
إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد
العاديات 6-7 أي بلسان حاله أيضا على القول بأن ذلك هو المراد في الآية أيضا. واحتج من ذهب إلى هذا القول بأن الله جل وعلا جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك به جل وعلا في قوله ﴿ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ﴾ ، قالوا فلو كان الإشهاد المذكور الإشهاد عليهم يوم الميثاق، وهم في صورة الذر لما كان حجة عليهم، لأنه لا يذكره منهم أحد عند وجوده في الدنيا، وما لا علم للإنسان به لا يكون حجة عليه. فإن قيل إخبار الرسل بالميثاق المذكور كاف في ثبوته قلنا قال ابن كثير في تفسيره " الجواب عن ذلك أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد، ولهذا قال ﴿ أن تقولوا ﴾ الآية اه منه بلفظه. فإذا علمت هذا الوجه الذي ذكرنا في تفسير الآية، وما استدل عليه قائله به من القرآن. فاعلم أن الوجه الآخر في معنى الآية أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده. قال مقيده - عفا الله عنه - هذا الوجه الأخير يدل له الكتاب والسنة. أما وجه دلالة القرآن عليه، فهو أن مقتضى القول الأول أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله.
الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من القطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتيهم نذير والآيات القرآنية مصرحة بكثرة، بأن الله تعالى لا يعذب أحدا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
الإسراء 15 فإنه قال فيها حتى نبعث رسولا، ولم يقل حتى نخلق عقولا، وننصب أدلة، ونركز فطرة. ومن ذلك قوله تعالى
رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
النساء 165 الآية، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم هو إنذار الرسل لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة. وهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها بينها في " طه " بقوله
ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى
طه 134، وأشار لها في " القصص " بقوله
ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين
القصص 47، ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى