3.154
﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ﴾ أي: أمنا. والأمنة بتحريك الميم مصدر, يقال: أمن أمنا وأمانا وأمنا وأمنة محركتين وفي حديث نزول عيسى عليه السلام, وتقع الأمنة في الأرض, أي: الأمن. ومثله من المصادر العظمة والغلبة, وهو منصوب على المفعولية. وقوله تعالى: ﴿ نعاسا ﴾ بدل من ﴿ أمنة ﴾ وقيل: هو المفعول, و ﴿ أمنة ﴾ حال أو مفعول له ﴿ يغشى طآئفة منكم ﴾ وهم المخلصون, أهل اليقين والثبات والتوكل الصادق, الجازمون بأن الله عز وجل سينصر رسوله وينجز له مأموله. والنعاس في حال الحرب دليل على الأمان, كما قال في سورة الأنفال:
إذ يغشيكم النعاس أمنة منه...
[الأنفال: 11] الآية وروى البخاري في التفسير عن أنس عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. ورواه الترمذي والنسائي والحاكم. ولفظ الترمذي: قال أبو طلحة: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم ويومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله تعالى: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ﴾. وقد ساق الرازي لذلك النعاس فوائد: منها أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم. وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى - انتهى.
ثم أخبر تعالى أن من لم يصبه النعاس فهو ممن أهمته نفسه، لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، بقوله: ﴿ وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ أي: ما بهم إلا هم أنفسهم وقد قصد خلاصها، فلم يغشهم النعاس، من القلق والجزع والخوف ﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ أي: غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه ﴿ ظن الجهلية ﴾ كما قال تعالى في الآية الأخرى:
بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا...
[الفتح: 12] الآية. وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.
قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل. وفسر بأن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه. ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح، حيث يقول:
ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظن السوء عليهم دآئرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا
[الفتح: 6 ]. وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل سوء. بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون. فمن ظن به أنه لا ينصر رسله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد جنده، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا - فقد ظن بالله السوء ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته. فإن عزته وحكمة إلهيته تأبى ذلك، ويأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به - فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله. وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له، فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثا، ولا خلقها باطلا: