3.63
﴿ فإن تولوا ﴾ أي: أعرضوا عن قبول الحق الذي قص عليك بعدما عاينوا تلك الحجج النيرة ﴿ فإن الله عليم بالمفسدين ﴾ أي: بهم، فيجازيهم على إفسادهم. والتعبير عنهم بذلك إشارة إلى أنهم، بتوليهم، مفسدون اعتقادهم واعتقاد غيرهم في الله تعالى.
3.64
﴿ قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ﴾ أي: إلى قول معتدل لا يميل إلى التعطيل ولا إلى الشرك، متفق عليها لا يختلف فيها الرسل والكتب وهي ﴿ ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ﴾ أي: لا نرى غيره مستحقا للعبادة فنشركه معه، بل نفرد العبادة لله وحده، لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل. قال الله تعالى:
ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
[الأنبياء: 25]. وقال تعالى:
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
[النحل: 36]. ﴿ ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا ﴾ أي: كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين كانوا يحلون لهم ويحرمون، كما روى الترمذي عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ:
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله
[التوبة: 31]. قال:
" إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ".
قال الكيا الهراسي: فيه رد على من قال بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي، وعلى من قال: يجب قبول قول الإمام في التحليل والتحريم ولو دون إبانة مستند شرعي.
قال البقاعي: ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية، نبه على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد والاجتراء على ما يختص به الله فقال: ﴿ من دون الله ﴾ الذي اختص بالكمال ﴿ فإن تولوا ﴾ أي: عن هذه الكلمة السواء المتفق عليها ﴿ فقولوا ﴾ أي: تبعا لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال:
أسلمت لرب العالمين
[البقرة: 131]. وامتثالا لوصيته إذ قال:
فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون
[البقرة: 132]. ﴿ اشهدوا بأنا مسلمون ﴾ أي: لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما: اعترف بأني أنا الغالب، وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره - كذا في الكشاف.