تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.19

﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي: لا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة - قاله أبو السعود. وفي الآية الأخرى:

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين

[آل عمران: 85]. ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ مطلقا، أو اليهود، في دين الإسلام ﴿ إلا من بعد ما جآءهم العلم ﴾ أي: إلا بعد أن علموا بأنه الحق الذي لا محيد عنه. ولم يكن اختلافهم لشبهة عندهم بل ﴿ بغيا بينهم ﴾ أي: حسدا كائنا بينهم، وطلبا للرئاسة. وهذا تشنيع عليهم إثر تشنيع ﴿ ومن يكفر بآيات الله ﴾ المنزلة ﴿ فإن الله سريع الحساب ﴾ قائم مقام جواب الشرط. علة له. أي: فإنه تعالى يجازيه ويعاقبه على كفره عن قريب. فإنه سريع الحساب.

3.20

﴿ فإن حآجوك ﴾ في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ﴾ أي: انقدت لآياته المنزلة، وأخلصت نفسي وعبادتي له، لا أشرك فيها غيره. قال أبو السعود: وإنما عبر عن النفس بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والمشاعر، ومجمع معظم ما يقع به العبادة من السجود والقراءة، وبه يحصل التوجه إلى كل شيء ﴿ ومن اتبعن ﴾ عطف على الضمير المتصل.

لطيفة

هل قوله تعالى: فقل أسلمت وجهي لله، إعراض عن المحاجة، أو هو محاجة وإظهار للدليل؟ فمن قائل بالأول، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مرارا وأطوارا، فإن هذه السورة مدنية، وكان قد أظهر لهم المعجزات الجمة بالقرآن وغيره، فبعد هذا قال: ﴿ فإن حآجوك فقل أسلمت ﴾ الخ. يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل وإيضاح البينات، فإن تركتم الأنف والحسد وتمسكتم بها كنتم مهتدين. وإن أعرضتم، فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم. وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام. فإن المحق إذا ابتلي بالمبطل اللجوج، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال، فقد يقول في آخر الأمر: أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق مستسلمون له، مقبلون على عبودية الله تعالى، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد. فهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المضر في آخر كلامه. ومن قائل بالثاني، أعني: أنه محاجة، وفي كيفية الاستدلال منها ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، والإقرار بأنه كان محقا في قوله، صادقا في دينه. فأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال:

ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين

[النحل: 123]، ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال:

إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين

[الأنعام: 79]، فقول محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ أسلمت وجهي ﴾. كقول إبراهيم عليه السلام:

وجهت وجهي

[الأنعام: 79]، أي: أعرضت عن كل معبود سوى الله تعالى، وقصدته بالعبادة، وأخلصت له. فتقدير الآية كأنه تعالى قال: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل أنا مستمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأن طريقته حقة، بعيدة عن كل شبهة وتهمة. فكان هذا من باب التمسك بالالتزامات، وداخلا تحت قوله:

وجدلهم بالتي هي أحسن

[النحل: 125] - نقله الرازي.

﴿ وقل للذين أوتوا الكتب والأميين ﴾ أي: الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب ﴿ أأسلمتم ﴾ لهذه الآيات كما أسلمت، أم أنتم بعد على الكفر.

قال الزمخشري: يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام، ويقتضي حصوله لا محالة، فهل أسلمتم، أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة، ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته: هل فهمتها؟ ومنه قوله عز وعلا:

محاسن التأويل · الصفحة ٣٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٦٠