تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.114

﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ أي: على الوجه الذي نطق به الشرع. وظاهر أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله. والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله، ولا يحترزون عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ تعريض بمداهنة اليهود في الاحتساب، بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله، فإنه أمر بالمنكر ونهي عن المعروف.

وقوله تعالى: ﴿ ويسارعون في الخيرات ﴾ صفة أخرى جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير. والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه. وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها، بل بمبادرتهم إلى الشرور ﴿ وأولئك ﴾ أي: المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة ﴿ من الصالحين ﴾ أي: من عداد من صلحت أحوالهم عند الله تعالى واستحقوا رضاه. والوصف بالصلاح دال على أكمل الدرجات. فهو غاية المدح، ولذا وصفت به الأنبياء في التنزيل.

3.115

﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي: لن يعدموا ثوابه. وإيثار صيغة المجهول للجري على سنن الكبرياء. وقرئ الفعلان بالخطاب: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ فيوفيهم أجورهم. وهؤلاء الموصوفون هم المذكورون في آخر السورة:

وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خشعين لله...

[آل عمران: 199 ] الآية.

تنبيه

قال البقاعي: أرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات. وقال الرازي: لما قال تعالى:

من أهل الكتاب أمة قآئمة

[آل عمران: 113]. كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة. إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر. وتحقيقه: أن الضدين يعلمان معا. فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر، قال أبو ذؤيب:

دعاني إليها القلب إني لأمره

مطيع فما أدرى أرشد طلابها

أراد أم غي، فاكتفى بذكر الرشد عن الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري. وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة لأن ذكرها قد جرى قبل، ولأنا قد ذكرنا أن العلم بالضدين معا، فذكر أحدهما مغن عن ذكر الآخر، كما يقال زيد وعمرو لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعمرو ليس كذلك. فكذا ههنا. لما تقدم قوله:

ليسوا سوآء

[آل عمران: 113]. أغنى عن ذلك الإضمار - انتهى ملخصا - أقول: لا مانع من كون الآية الآتية هي الشق الثاني المقابل للأول. فإن عنوان الذين كفروا مقابل بمفهومه لما قبله كما لا يخفى - والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٢٨