3.12
﴿ قل للذين كفروا ﴾ بهذا الدين وهم اليهود (للزاوية الآتية) أو نصارى نجران، لأن السورة نزلت لإحقاق الحق معهم، أو أعم ﴿ ستغلبون ﴾ أي: في الدنيا ﴿ وتحشرون ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ إلى جهنم وبئس المهاد ﴾ الفراش، أي: فكفركم ككفر آل فرعون بموسى، وقد فعل بقريش لكفرهم ما رأيتم، فسيفعل بكم ما فعل بهم، وهو أنكم تغلبون كما غلبوا. وقد صدق الله وعده بقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، وهو من أوضح شواهد النبوة. وقد روى أبو داود في سننه والبيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال:
" يا معشر يهود! أسلموا قبل يصيبكم الله بما أصاب قريشا "
، فقالوا: يا محمد! لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله: ﴿ قل للذين... ﴾ إلى قوله: ﴿ لأولي الأبصار ﴾.
3.13
﴿ قد كان لكم ﴾ أيها الكافرون المتقدم ذكرهم ﴿ آية ﴾ عبرة ودلالة على أنكم ستغلبون، وعلى أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومعل أمره ﴿ في فئتين ﴾ أي: فرقتين ﴿ التقتا ﴾ يوم بدر للقتال ﴿ فئة تقاتل في سبيل الله ﴾ أي: طاعته، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة ﴿ وأخرى كافرة ﴾ وهم مشركو قريش وكانوا قريبا من ألف ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ أي: يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين، أراهم الله إياهم، مع قلتهم، أضعافهم ليهابوهم، ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا لهم من الله تعالى، كما أمدهم بالملائكة. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال:
ويقللكم في أعينهم
[الأنفال: 44] قلت: قللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. ونظيره في المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى:
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39]. وقوله تعالى:
وقفوهم إنهم مسئولون
[الصافات: 24] وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم. أبلغ في القدرة وإظهار الآية - كذا في الكشاف - قلت: أو يجاب بأنهم كثروا أولا في أعينهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على الآخر ليقضي الله أمرا كان مفعولا ﴿ رأي العين ﴾ يعني: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات - كذا في الكشاف.
﴿ والله يؤيد ﴾ أي: يقوي ﴿ بنصره من يشآء إن في ذلك ﴾ أي: التكثير والتقليل، وغلبة القليل، مع عدم العدة، على التكثير الشاكي السلاح ﴿ لعبرة ﴾ أي: لاعتبارا وآية وموعظة ﴿ لأولي الأبصار ﴾ لذوي العقول والبصائر.