بل منعه ليرده إليه وليعزه بالتذلل له، وليغنيه بالافتقار إليه، وليجبره بالانكسار بين يديه وليذيقه بمرارة المنع، حلاوة الخضوع ولذة الفقر. وليلبسه خلعة العبودية، ويوليه بعزله أشرف الولايات، وليشهده حكمته في قدرته، ورحمته في عزته، وبره ولطفه في قهره. وأن منعه عطاء، وعزله تولية، وعقوبته تأديب، وامتحانه محبة، وعطية وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه إليه. وبالجملة فلا يليق بالعبد غير ما أقيم فيه. وحكمته وحمده أقاماه في مقامه الذي لا يليق به سواه ولا يحسن أن يتخطاه، انتهى.
ثم أشار تعالى إلى أن الموت في سبيل الله ليس مما يوجب الحسرة حتى يحذر منه. بل هو مما يوجب الفرح والسرور فقال:
﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة... ﴾.
3.157
﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ﴾ أي: فيه من غير قتال ﴿ لمغفرة من الله ﴾ أي: لذنوبكم تنالكم ﴿ ورحمة خير مما يجمعون ﴾ أي: الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها الفانية.
3.158
﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ على أي: وجه كان حسب القضاء السابق ﴿ لإلى الله ﴾ أي: الذي هو متوفيكم لا غيره ﴿ تحشرون ﴾ فيجزيكم بأعمالكم.
لطائف
الأولى: أطال نحاة المفسرين في قوله تعالى:
وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا
[آل عمران: 156] الخ. من الوجوه النحوية في إذا هنا، وإنه ربما يتبادر أن الموقع ل (إذ) لا لها حيث إن متعلقها وهو قالوا ماض. و ﴿ إذا ﴾ ظرف لما يستقبل. فمن قائل بأن إذا لحكاية الحال الماضية، ومن قائل بأنها للاستمرار. وقيل: إن كفروا و قالوا مراد بهما المستقبل. وفي كل مناقشات وتعسفات. والحق أنها تكون للمضي أيضا. قال المجد الفيروزبادي: وتجيء إذا للماضي كقوله تعالى:
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها...
[الجمعة: 11]. فلا إشكال.
ونقل الرازي عن قطرب: إن كلمة (إذ) و(إذا) يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى. قال الرازي: وهذا الذي قال قطرب كلام حسن، وذلك لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول. فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى. ثم قال: وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن. فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم. فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى. انتهى.
الثانية: المجهول على ضم الميم في قوله تعالى:
أو متم
[آل عمران: 157]. وهو الأصل لأن الفعل منه يموت. ويقرأ بالكسر وهو لغة طائية. يقال مات يمات مثل خاف يخاف فكما تقول خفت تقول: مت.
الثالثة: قدم القتل على الموت في الأولى لأنه أكثر ثوابا وأعظم عند الله. فترتيب المغفرة والرحمة عليه أقوى. وقدم الموت في الثانية لأنه أكثر. وهما مستويان في الحشر.