تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالث: أن قوله: ﴿ بغم ﴾ من تمام الثواب, لا أنه سبب جزاء الثواب. والمعنى أثابكم غما متصلا بغم, جزاء على ما وقع منكم من الهرب, وإسلامكم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وترك استجابتكم له وهو يدعوكم, ومخالفتكم له في لزوم مركزكم, وتنازعكم في الأمر وفشلكم. وكل واحد من هذه الأمور يوجب غما يخصه, فترادفت عليهم الغموم, كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها. ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرا آخر. ومن لطفه بهم, ورأفته ورحمته. أن هذه الأمور التي صدرت منهم كانت من أمور الطباع, وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة, فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل, فيترتب عليها آثارها المكروهة, فعلموا حينئذ أن التوبة منها, والاحتراز من أمثالها, ودفعها بأضدادها, أمر متعين لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به, فكانوا أشد حذرا بعدها، ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها. وربما صحت الأجسام بالعلل.

لطيفة

لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير, ويجوز أيضا استعماله في الشر, لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله, أي: رجع إليه. قال تعالى:

وإذ جعلنا البيت مثابة للناس

[البقرة: 125]. والمرأة تسمى ثيبا لأن الواطئ عائد إليها. وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله, سواء كان خيرا أو شرا, إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير. فإن حملنا لفظ الثواب ههنا على أصل اللغة استقام الكلام, وإن حملنا على مقتضى العرف كان ذلك واردا على سبيل التهكم, كما يقال: تحيته الضرب وعتابه السيف, أي: جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب على حد:

فبشرهم بعذاب

[آل عمران: 21، التوبة: 34، الإنشقاق: 24] - قاله الرازي.

تنبيه

قال المفضل: ﴿ لا ﴾ زائدة, والمعنى لتتأسفوا على مما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم, كقوله:

ألا تسجد

[الأعراف: 12] , و:

لئلا يعلم

[الحديد: 29] , أي: أن تسجد وليعلم.

وعندي أنه بعيد, لا سيما مع تكرار ﴿ لا ﴾ في المعطوف, واستقامة المعنى الجيد على اعتبارها, فالوجه ما سلف.

﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ خيرا وشرا, قادر على مجازاتكم, وفيه أعظم زاجر عن الإقدام على المعصية.

ثم إنه تداركهم سبحانه برحمته, وخفف عنهم ذلك الغم, وغيبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه, كما قال: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٥٨