تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.122

﴿ إذ همت طآئفتان منكم ﴾ أي: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ﴿ أن تفشلا ﴾ أي: تكسلا وتجبنا وتضعفا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فعصمهما الله، فمضيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والله وليهما ﴾ ناصرهما، ومتولي أمرهما، فأمدهما بالتوفيق والعصمة، ﴿ وعلى الله ﴾ وحده دون ما عداه استقلالا أو اشتراكا ﴿ فليتوكل المؤمنون ﴾ في جميع أمورهم، فإنه حسبهم. التوكل: تفعل من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه، ولم يتوله بنفسه. وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل. روى الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: فينا نزلت: ﴿ إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ﴾ - قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى: ﴿ والله وليهما ﴾.

أي لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وإن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى.

3.123

﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ﴾ لما ذكر تعالى قصة أحد أتبعها بذكر قصة بدر. وذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الضعف عددا وعددا، والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة. ثم إنه تعالى نصر المسلمين على الكافرين، فصار ذلك من أقوى الدلائل على أن ثمرة التوكل عليه تعالى والصبر والتقوى هو النصر والمعونة والتأييد. وبدر موضع بين الحرمين، إلى المدينة أقرب، يقال هو منها على ثمانية وعشرين فرسخا. أو اسم بئر هناك حفرها رجل اسمه بدر, وقوله: ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ أي: راجين أن تشكروا ما أنعم به عليكم بتقواكم من نصرته. وقد أشير في مواضع من التنزيل إلى غزوة بدر، وكانت في شهر رمضان، السنة الثانية من الهجرة، وكان سببها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن عيرا لقريش فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام إلى مكة. معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش، عميدهم أبو سفيان، ومعه عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل. فندب صلى الله عليه وسلم إلى هذه العير. وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج. ولم يحتفل في الحشد. لأنه لم يظن قتالا. وخرج مسرعا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، لم يكن معهم من الخيل إلا فرسان، وكان معهم سبعون بعيرا يتعقبونها. واتصل خروجه بأبي سفيان، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، وبعثه إلى أهل مكة يستنفرهم لعيرهم. فنفروا وأوعبوا. وخرج صلى الله عليه وسلم لثمان خلون من رمضان، واستخلف على الصلاة عمرو بن أم مكتوم، ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، ودفع إلى علي راية، وإلى رجل من الأنصار راية أخرى، يقال: كانتا سوداوين. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة. وراية الأنصار يومئذ مع سعد بن معاذ، فسلكوا نقب المدينة إلى ذي الحليفة، ثم انتهوا إلى صخيرات يمام، ثم إلى بئر الروحاء. ثم رجعوا ذات اليمين عن الطريق إلى الصفراء. وبعث صلى الله عليه وسلم قبلها بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبر أبي سفيان وعيره، ثم تنكب عن الصفراء يمينا، وخرج على وادي دقران. فبلغه خروج قريش ونفيرهم، فاستشار أصحابه فتكلم المهاجرون، وأحسنوا، وهو يريد ما يقول الأنصار، وفهموا ذلك، فتكلم سعد بن معاذ، وكان فيما قال: لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله. فسر بذلك وقال:

" سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين "

ثم ارتحلوا من دقران إلى قريب من بدر، وبعث عليا والزبير وسعدا في نفر يلتمسون الخبر.

فأصابوا غلامين لقريش، فأتوا بهما، وهو صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وقالوا: نحن سقاة قريش، فكذبوهما، كراهية في الخبر، ورجاء أن يكونا من العير للغنيمة وقلة المؤنة، فجعلوا يضربونهما فيقولان: نحن من العير. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر عليهم، وقال للغلامين: " أخبراني أين قريش؟ " فأخبراه أنهم وراء الكثيب. وأنهم ينحرون يوما عشرا من الإبل ويوما تسعا، فقال صلى الله عليه وسلم:

محاسن التأويل · الصفحة ٤٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٣٦