وأيضا فلا يجب علم جميع المكلفين بذلك عند الخصوم، إذ في المكلفين الأمي والعجمي ونحوهم. وإذا كان علم البعض يكفي ويخرج الخطاب بذلك عن العبث، جاز أن يكون ذلك البعض هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن شاء الله من ملائكته وخواص عباده. والله أعلم.
الفائدة الثانية: إذا تعارض العام والخاص، فالمحكم هو الخاص والبناء عليه واجب، وفيه الجمع بينهما، وفي العكس طرح الخاص مع رجحانه بالنصوصية. وهي قاعدة كبيرة فاحفظها. ولا خلاف فيها في الاعتقاد، لعدم القاعدة في التاريخ فيه، ولذلك أجمعوا على إثبات الخلة للمتقين، وتأويل نفي الخلة المطلق، فتأمل ذلك.
الفائدة الثالثة: إذا كان التحسين العقلي مع بعض السمع فهو المحكم، والمتشابه مخالفه، لما وضح من تأويل الخضر بموافقة العقل، وفي مخالفة هذه القاعدة عناد بين وضلال كبير، فاعرفها واعتبر مواضعها ترشد. إن شاء الله تعالى.
3.8
﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ من مقال الراسخين، أي لا تمل قلوبنا عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ، ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ. الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم ﴿ وهب لنا من لدنك رحمة ﴾ تثبت بها قلوبنا ﴿ إنك أنت الوهاب ﴾ كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال. وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى: وعن عائشة رضي الله عنها قالت:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ، قلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: " ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه "
- وهو في الصحيح والسنن.