تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.147

﴿ وما كان قولهم ﴾ أي: هؤلاء الربانيين، مثل قول المنافقين ولا المعجبين. و " قولهم " بالنصب خبر ل (كان)، واسمها أن وما بعدها في قوله تعالى: ﴿ إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴾.

قال ابن القيم: لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد. وأن النصر منوط بالطاعة، قالوا: ﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ﴾. ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى، وإن لم يثبت أقدامهم وينصرهم، لم يقدروا على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم، لم يثبتوا ولم ينتصروا. فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضى، وهو التوحيد، والالتجاء إليه سبحانه. ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف - انتهى.

قال القاضي: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره.

3.148

﴿ فآتاهم الله ثواب الدنيا ﴾ من النصر والغنيمة، وقهر العدو، والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان، وكفارة السيئات ﴿ وحسن ثواب الآخرة ﴾ وهو الجنة وما فيها من النعيم المقيم. وتخصيص وصف الحسن بثواب الآخرة للإيذان بفضله ومزيته، وأنه المعتد به عنده تعالى، بخلاف الدنيا لقلتها وامتزاجها بالمضار، وكونها منقطعة زائلة ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ إشارة إلى أن ما حكى عنهم من الأفعال والأقوال من باب الإحسان.

قال الرازي: فيه دقيقة لطيفة، وهي أن هؤلاء لما اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا:

ربنا اغفر لنا...

[آل عمران: 147] الآية - سماهم الله محسنين كأن الله تعالى يقول لهم: إذا اعترفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز.ا.ه.

ثم حذرهم سبحانه، إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء المفضي لسعادة الدارين، من طاعة عدوهم. وأخبر أنه إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة. وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد، بقوله:

﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٥٤