تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.106

﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ أي: تبيض وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين لاتباعها الدين الحق الذي هو النور الساطع، وتسود وجوه كثيرة، وهي وجوه الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، لاتباعها الضلالات المظلمة، وليستدل بذلك على إيمانهم وكفرهم، فيجازي كل بمقتضى حاله. وهذه الآية لها نظائر، منها قوله تعالى:

ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين

[الزمر: 60 ]. ومنها قوله تعالى:

ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة

[يونس: 26]. ومنها قوله:

وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة

[عبس: 38-41]. ومنها قوله تعالى:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة

[القيامة: 22-25]. ومنها:

تعرف في وجوههم نضرة النعيم

[المطففين: 24]. إلى غير ذلك.

وللمفسرين في هذا البياض والنضرة والغبرة والقترة وجهان:

أحدهما: أن البياض مجاز عن الفرح والسرور. والسواد عن الغم. وهذا مجاز مستعمل، قال تعالى:

وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم

[النحل: 58]. ويقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي: جلية سارة.

وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابيض وجهه، ومعناه الاستبشار والتهلل. وعند التهنئة بالسرور يقولون: الحمد لله الذي بيض وجهك. ويقال لمن وصل إليه مكروه: اربد واغبر لونه، وتبدلت صورته. فعلى هذا معنى الآية: إن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه، فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك، إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني.

والوجه الثاني: أن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة، فوجب المصير إليه، ولأبي مسلم أن يقول الدليل دل على ما قلناه، وذلك لأنه تعالى قال:

وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة

[عبس: 38-41]. فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار، فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا له، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة والغم والحزن حتى صح هذا التقابل - أفاده الرازي.

لطيفة

يوم منصوب إما مفعول لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيرا لهم عن عاقبة التفرق بعد مجيء البينات، وترغيبا في الاتفاق على التمسك بالدين. أي: اذكروا يوم.. الخ أو ظرف للاستقرار في (لهم) أو ل (عظيم) أو ل (عذاب).

﴿ أما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالا، وتقديم بيان هؤلاء لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدئ بذلك عند الإجمال، وقوله تعالى: ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾.

على إرادة القول، أي: فيقال لهم ذلك، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم - أفاده أبو السعود - والمعنى: أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان، وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة، وما يناجيكم به وجدانكم من صدق هذه الدعوى وحقيتها وشهادته بصحتها، كما قال تعالى فيما قبل هذه الآية:

يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون

[آل عمران: 70]: فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات، وقال للمؤمنين:

ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جآءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم

[ آل عمران: 105 ] فقوله تعالى هنا: ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ ، محمول على ما ذكر، حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، وهي عامة في حق كل الكفار.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٢٢