تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.54

﴿ ومكروا ﴾ أي: الذين أحس عيسى عليه السلام منهم الكفر بأن هموا بالفتك به وإرادته بالسوء، حيث تمالؤوا عليه ووشوا به إلى ملكهم ﴿ ومكر الله ﴾ أي: بهم بعد ذلك فانتقم منهم وأورثهم ذلة مستمرة وأباد ملكهم ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أي: أقواهم مكرا، وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب. وقال البقاعي كغيره في قوله تعالى: ﴿ ومكر الله ﴾ أي: بأن رفعه إليه، وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه، وإنما صلبوا أحدهم، ويقال: إنه الذي دلهم، وأما هو عليه السلام، فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه، لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضربت عليهم الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذي طلبوا به العز إلى آخر الدهر، فكان تدميرهم في تدبيرهم.

ثم أخبر تعالى ببشارته بالعصمة من مكرهم بقوله:

﴿ إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين... ﴾.

3.55

﴿ إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ﴾ أي: مستوفي مدة إقامتك بين قومك. والتوفي، كما يطلق على الإماتة، كذلك يطلق على استيفاء الشيء. كما في كتب اللغة. ولو ادعى أن التوفي حقيقة في الأول، والأصل في الإطلاق الحقيقة فنقول: لا مانع من تشبيه سلب تصرفه عليه السلام بأتباعه وانتهاء مدته المقدرة بينهم بسلب الحياة. وهذا الوجه ظاهر جدا، وله نظائر في الكتاب العزيز، قال تعالى:

الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها

[الزمر: 42]. قال الزمخشري: يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، أي: يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى. ومنه قوله تعالى:

وهو الذي يتوفكم باليل

[الأنعام: 60]. حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك - انتهى كلامه - ثم بين سبحانه في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال: ﴿ ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي: من مكرهم وخبث صحبتهم؛ وقد دلت هذه الآية بظاهرها على أن الله تعالى فوق سماواته كقوله تعالى:

بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما

[النساء: 158]. وقوله تعالى:

يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون

[النحل: 50]. وقوله تعالى:

يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه

[السجدة: 5]. وقوله تعالى:

ءأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور

[الملك: 16]. وهو مذهب السلف قاطبة كما نقله الإمام الذهبي في كتاب (العلو).

قال أبو الوليد بن رشد في مناهج الأدلة: لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله سبحانه وتعالى جهة الفوق حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله - إلى أن قال: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماوات نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك بالمعقول. وبين بطلان الشبهة التي لأجلها نفتها الجهمية ومن وافقهم - إلى أن قال: فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل. وأن إبطاله إبطال الشرائع.

قال الدارمي: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته. وقد بسط نصوص السلف الحافظ الذهبي في كتاب العلو فانظره، هذا، ولما كان لذوي الهمم العوال، أشد التفات إلى ما يكون عليهم خلفاؤهم من بعدهم من الأحوال، بشره تعالى في ذلك بما بشره فقال: ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وكذا كان لم يزل من انتحل النصرانية فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد ﴿ ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٨١