3.5
﴿ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء ﴾ أي: هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه.
3.6
﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء ﴾ أي: يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد ﴿ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ﴾.
3.7
﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ﴾ واضحات الدلالة ﴿ هن أم الكتاب ﴾ أي: أصله المعتمد عليه في الأحكام ﴿ وأخر متشابهات ﴾ وهي ما استأثر الله بعلمها لعدم اتضاح حقيقتها التي أخبر عنها، أو ما احتملت أوجها. وجعله كله محكما في قوله:
أحكمت آياته
[هود: 1] بمعنى: أنه ليس فيه عيب، وأنه كلام حق فصيح الألفاظ، صحيح المعاني. ومتشابها في قوله:
كتابا متشابها
[الزمر: 23] بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا
﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ ﴾ أي: ميل عن استقامة إلى كفر وأهواء وابتداع ﴿ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ﴾ أي: طلب الإيقاع في الشبهات واللبس ﴿ وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ وحده ﴿ والراسخون في العلم ﴾ أي: الثابتون المتمكنون مبتدأ، خبره ﴿ يقولون آمنا به ﴾ أي: بالمتشابه على ما أراد الله تعالى ﴿ كل ﴾ من المحكم والمتشابه ﴿ من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ أي: العقول الخالصة من الركون إلى الأهواء الزائغة، وهو تذييل سيق منه تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر.
تنبيه
للعلماء في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، ومباحث واسعة. وأبدع ما رأيته في تحرير هذا المقام مقالة سابغة الذيل لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية عليه الرحمة والرضوان. يقول في خلالها:
المحكم في قرآن، تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله، وتارة يقابل بما نسخه الله، مما ألقاه الشيطان. ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقا، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة، ويجعل المنسوخ ليس محكما، وإن كان الله أنزله أولا إتباعا للظاهر من قوله:
فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته
[الحج: 52]. فهذه ثلاثة معان تقابل المحكم، ينبغي التفطن لها. وجماع ذلك أن الإحكام تارة يكون في التنزيل. فيكون في مقابلته ما يلقيه الشيطان. فالمحكم المنزل من عند الله أحكمه الله أي: فصله من الاشتباه بغيره، وفصل منه ما ليس منه، فإن الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، ولهذا دخل فيه معنى المنع، كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه، لا جميع معناه، وتارة يكون في إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع، وهو اصطلاحي. أو يقال - وهو أشبه: السلف كانوا يسمون كل رفع نسخا، سواء كان رفع حكم، أو رفع دلالة ظاهرة، فكل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق، فهو منسوخ في اصطلاح السلف. وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلغ، وقد يكون في مسمع المبلغ، وقد يكون في فهمه، كما قال:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها
[الرعد: 17]. ومعلوم أن من سمع، سمع النص الذي قد رفع حكمه، أو دلالة له، فإنه يلقى الشيطان في تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ، فيحكم الله آياته بالناسخ الذي به رفع الحكم، وبان المراد. وعلى هذا التقدير، فيصح أن يقال: المتشابه والمنسوخ. بهذا الاعتبار. والله أعلم.
وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها، حتى لا تشتبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا. فتكون محتملة للمعنيين، ولم يقل في المتشابه (لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله)، وإنما قال ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله ﴾ وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع، فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو. والوقف هنا على ما دل عليه أدلة كثيرة، وعليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمهور التابعين، وجماهير الأمة. ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره، بل قال: