تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.168

﴿ الذين قالوا لإخوانهم ﴾ أي: من أجل أقاربهم من قتلى أحد ﴿ وقعدوا ﴾ أي: والحال قد قعدوا عنهم خذلانا لهم ﴿ لو أطاعونا ﴾ أي: في الرجوع ﴿ ما قتلوا ﴾ كما لم نقتل ﴿ قل ﴾ كأنكم تزعمون ادعاء القدرة على دفع الموت ﴿ فادرءوا ﴾ أي: ادفعوا ﴿ عن أنفسكم الموت ﴾ أي: فإنها أقرب إليكم من أنفسهم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في أن الموت يغني منه حذر، والمعنى أن عدم قتلكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوبا عليكم، لا بسبب أنكم دفعتموه بالقعود، مع كتابته عليكم، فإن ذلك مما لا سبيل إليه.

قال ابن القيم: وكان من الحكمة تقديره تعالى في هذه الواقعة تكلم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم، وعرفوا مواد النفاق، وما يؤول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة. فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة. فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف، وإرشاد وتنبيه، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما.

3.169

﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس منه، ليس مما يحذر، بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون، إثر بيان أن الحذر لا يجدي ولا يغني، أي: لا تحسبنهم أمواتا تعطلت أرواحهم ﴿ بل ﴾ هم ﴿ أحياء ﴾ فوق أحياء الدنيا لأنهم مقربون ﴿ عند ربهم ﴾ إذ بذلوا له أرواحهم، لا بمعنى بقاء أرواحهم ورجوعها إليه، لمشاركة أرواح غيرهم في ذلك، بل بمعنى أنهم ﴿ يرزقون ﴾ رزق الأحياء، لا رزقا معنويا، بل حقيقيا. كما روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم " ، فأنزل الله هؤلاء الآيات: ﴿ ولا تحسبن... ﴾ "

الخ. هكذا رواه الإمام أحمد، ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه.

وأخرج مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا... ﴾ الخ. فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي: شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا.

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنة بكره وعشية "

- تفرد به أحمد - ورواه ابن جريج بإسناد جيد.

قال ابن كثير: وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة. وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدي عليهم برزقهم هناك ويراح - والله أعلم - ثم قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن، بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتعبة، فإن الإمام أحمد رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عن مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

محاسن التأويل · الصفحة ٤٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٧٣