3.47
﴿ قالت ﴾ مخاطبة لله الذي بعث إليها الملائكة ﴿ رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ أي: لست بذات زوج ﴿ قال كذلك ﴾ أي: على الحالة التي أنت عليها من عدم مس البشر ﴿ الله يخلق ما يشآء ﴾ ولا يحتاج إلى سبب، ولا يعجزه شيء. وصرح ههنا بقوله ﴿ يخلق ما يشآء ﴾ ولم يقل: (يفعل) كما في قصة زكريا، لما أن الخلق المنبئ عن الإحداث للمكون أنسب بهذا المقام لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله: ﴿ إذا قضى أمرا ﴾ من الأمور أي: أراد شيئا كما في قوله تعالى:
إذآ أراد شيئا
[يس: 82] ﴿ فإنما يقول له كن فيكون ﴾ من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب كقوله:
ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر
[القمر: 50]. أي: إنما نأمر مرة واحدة لا تثنية فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح البصر. وتقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة.
3.48
﴿ ويعلمه الكتب والحكمة ﴾ أي: الكتابة أو جنس الكتب الإلهية ﴿ والحكمة ﴾ أي: تهذيب الأخلاق ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ إفرادهما بالذكر على تقدير كون المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة، لزيادة فضلهما وإنافتهما على غيرهما.
3.49
﴿ ورسولا إلى بني إسرائيل ﴾ منصوب بمضمر يقود إليه المعنى، معطوف على ﴿ يعلمه ﴾ أي: ويجعله رسولا إلى جميع الإسرائيليين. وقيل: معطوف على الأحوال السابقة ﴿ أني قد جئتكم ﴾ معمول ل ﴿ رسولا ﴾ لما فيه من معنى النطق. أي: رسولا ناطقا بأني قد جئتكم ﴿ بآية من ربكم ﴾ التنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها، والجار متعلق بمحذوف وقع حالا أي: متلبسا ومحتجا بآية ﴿ أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه ﴾ الضمير للكاف أي: في ذلك الشيء المماثل لهيأة الطير ﴿ فيكون طيرا ﴾ حقيقيا ذا حياة ﴿ بإذن الله ﴾ أي: أمره، لا باستقلال مني.
﴿ وأبرىء الأكمه ﴾ الذي ولد أعمى ﴿ والأبرص ﴾ المبتلى بالبرص وهو بياض يظهر في البشرة لفساد مزاج. وفي الإكليل: هذه الآية أصل لما يقوله الأطباء: إن الأكمه الذي ولد أعمى، والأبرص لا يمكن برؤهما كإحياء الموتى ﴿ وأحي الموتى بإذن الله ﴾ لا باستقلال مني. نفيا لتوهم الألوهية، فهذه معجزات قاهرة فعلية ﴿ وأنبئكم ﴾ أي: أخبركم ﴿ بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ مما لم أعاينه ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ أي: دلالة ﴿ لكم ﴾ على صدقي في دعوى الرسالة ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مصدقين بآيات الله. وقد ذكر في الإنجيل أنه عليه السلام رد بصر أعميين في كفر ناحوم، وأعمى في بيت صيدا، ورجل ولد أعمى في أورشليم، وشفى عشرة مصابين بالبرص في السامرة، وأبرأ أبرص في كفر ناحوم، وأقام ابن الأرملة من الموت في بلدة نايين، وأحيا ابنة جيروس في كفر ناحوم، والعازر في بيت عيناء.