تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.94

﴿ فمن افترى ﴾ أي: تعمد ﴿ على الله الكذب ﴾ أي: في أمر المطاعم وغيرها ﴿ من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ﴾ لتعرضهم إلى أن يهتكهم تعالى ويعذبهم.

3.95

﴿ قل صدق الله ﴾ تعريض بكذبهم، أي: ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ أي: ملة الإسلام التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم. ومن آمن معه والتي هي في الأصل ملة إبراهيم عليه السلام حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه ﴿ حنيفا ﴾ أي: مائلا عن الأديان الزائفة ﴿ وما كان من المشركين ﴾ تعريض بما في اليهودية والنصرانية من شرك إثبات الولد أو إلهية عيسى، فكيف يزعمون أنهم على ملته، وما كان يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم؟

3.96

﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ أي: لنسكهم وعباداتهم ﴿ للذي ببكة ﴾ أي: للبيت الذي ببكة، أي: فيها. وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى. وبكة لغة في مكة، فإن العرب تعاقب بين الباء والميم كما في قولهم: (ضربة لازب ولازم) و(النميط والنبيط) في اسم موضع بالدهناء. وقولهم: (أمر راتب وراتم) و(أغبطت الحمى وأغمطت). وقيل: مكة البلد، وبكة موضع المسجد، سميت بذلك لدقها أعناق الجبابرة، فلم يقصدها جبار إلا قصمه الله تعالى، أو لازدحام الناس بها من ﴿ بكة ﴾ إذا فرقه ووضعه وإذا زاحمه، كما أن مكة من " مكة " أهلكه ونقصه. لأنها تهلك من ظلم فيها وألحد وتنقص الذنوب أو تنفيها - كما في القاموس - وقد ذهب بعضهم إلى أن مكة هي (ميشا) أو (ماسا) المذكورة في التوراة، وآخر إلى أنه مأخوذ من اسم واحد من أولاد إسماعيل وهو (مسا). ﴿ مباركا ﴾ أي: كثير الخير، لما يحصل لمن حجه، واعتمره واعتكف عنده وطاف حوله، من الثواب وتكفير الذنوب ﴿ وهدى للعالمين ﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم.

تنبيه

ذكر بعض المفسرين أن المراد بالأولية كونه أولا في الوضع والبناء، ورووا في ذلك آثارا منها: أنه تعالى خلق هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين، ومنها أنه تعالى بعث ملائكة لبناء بيت في الأرض على مثال البيت المعمور، وذلك قبل خلق آدم، ومنها: أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، وأنه خلق قبل الأرض بألفي عام. وليس في هذه الآثار خبر صحيح يعول عليه. والمتعين أن المراد أول بيت وضع مسجدا. كما بينته رواية ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه في هذه الآية قال: كانت البيوت قبله، ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال:

" قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: " المسجد الحرام " ، قلت: ثم أي؟ قال: " المسجد الأقصى " ، قلت: كم كان بينهما؟ قال: " أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه " ".

قال ابن القيم في زاد المعاد: وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به فقال: معلوم أن سليمان بن داود الذي بنى المسجد الأقصى. وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وسلم، بعد بناء إبراهيم عليه السلام بهذا المقدار - انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٠٥