وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال:
" خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج " ، فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: " لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع " ".
الرابع: استطاعة السبيل عبارة عن إمكان الوصول إليه. قال ابن المنذر: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿ من استطاع إليه سبيلا ﴾ فقالت طائفة: الآية على العموم، إذ لا نعلم خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إجماعا لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضا، فعلى كل مستطيع للحج يجد إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة، الحج. على ظاهر الآية. قال: وروينا عن عكرمة أنه قال: الاستطاعة الصحة. وقال الضحاك: إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه. فقال له قائل: أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ قال: لا، بل ينطلق إليه ولو حبوا، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت. وقال مالك: الاستطاعة على إطاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المشي، وآخر يقدر على المشي على رجليه. وقالت طائفة: الاستطاعة: الزاد والراحلة، كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد ابن حنبل، واحتجوا بحديث ابن عمر أن رجلا قال:
" يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: " الزاد والراحلة "
- رواه الترمذي - وفي إسناده الخوزي فيه مقال. قال ابن كثير: لكن قد تابعه غيره. وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث. ورواه الحاكم من حديث قتادة عن أنس
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله عز وجل: ﴿ من استطاع إليه سبيلا ﴾. فقيل: ما السبيل؟ قال: " الزاد والراحلة "
، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
الخامس: قال الإمام ابن القيم الدمشقي رضي الله عنه في زاد المعاد في سياق هديه صلى الله عليه وسلم في حجته: لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، واختلف هل حج قبل الهجرة؟ وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة.
قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان. قال: وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري. وفي رواية: لا يعد هذا الحديث محفوظا. ولما نزل فرض الحج بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير، فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر. وأما قوله تعالى:
وأتموا الحج والعمرة لله
[البقرة: 196]، فإنها، وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء. فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة. ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم لما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى:
يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا
[التوبة: 28]، فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية. ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع. وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم.