ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم
[البقرة: 191].
والفرق بين اللاجئ والمتهتك فيه من وجوه:
أحدها: أن الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه معظم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل.
الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط الملك وحرمه ثم دخل إلى حرمه مستجيرا.
الثالث: أن الجاني في الحرم قد هتك حرمة الله سبحانه وحرمة بيته وحرمه فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره.
الرابع: أنه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم لعم الفساد وعظم الشر في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم لتعطلت حدود الله وعم الضرر للحرم وأهله.
والخامس: أن اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب تعالى المتعلق بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج، بخلاف المقدم على انتهاك حرمته.
فظهر سر الفرق، وتبين أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه، وأما قولكم إنه حيوان مفسد فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور فلا يصح القياس، فإن الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله. وأما الآدمي فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة، فإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها، وأيضا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية والحدأة كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها. انتهى. (من الجزء الثاني).
ولما ذكر تعالى فضائل البيت ومناقبه أردفه بذكر إيجاب الحج فقال: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴾ اللام في البيت للعهد. وحجه: قصده للزيارة بالنسك المعروف. وكسر الحاء وفتحها لغتان، وهما قراءتان سبعيتان.
وفي الآية مباحث
الأول: في إعرابها قال أبو السعود في صدر الآية: جملة من مبتدأ هو ﴿ حج البيت ﴾ وخبر هو ﴿ لله ﴾ وقوله تعالى: ﴿ على الناس ﴾ متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في الجار، والعامل فيه ذلك الاستقرار، ويجوز أن يكون ﴿ على الناس ﴾ هو الخبر، و ﴿ لله ﴾ متعلق بما تعلق به الخبر. ثم قال في قوله تعالى: ﴿ من استطاع إليه سبيلا ﴾ في محل الخبر على أنه بدل من ﴿ الناس ﴾ بدل البعض من الكل مخصص لعمومه، فالضمير العائد إلى المبدل منه محذوف، أي: من استطاع منهم، وقيل: بدل الكل على أن المراد بالناس هو البعض المستطيع، فلا حاجة إلى الضمير، وقيل في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هم من استطاع، وقيل في حيز النصب بتقدير أعنى.
الثاني: هذه الآية هي آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هي قوله:
وأتموا الحج والعمرة
[البقرة: 196]، والأول أظهر. وفي فتح البيان: اللام في قوله ﴿ لله ﴾ هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف ﴿ على ﴾ فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل: لفلان علي كذا. فذكره الله سبحانه بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه، وتعظيما لحرمته. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا.
الثالث: يجب الحج على المكلف في العمر مرة واحدة. بالنص والإجماع؛ روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
" خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أيها الناس إنه فرض الله عليكم الحج فحجوا ". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت. حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ". ثم قال: " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه "