79.17-22
قوله تعالى: ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى ﴾؛ أي ناداه ربه فقال له: يا موسى اذهب إلى فرعون إنه علا وتكبر وكفر وتجاوز عن الحد في المعصية، ﴿ فقل هل لك إلى أن تزكى ﴾؛ أي تتطهر عن الشرك وتشهد أن لا إله إلا الله، وتعمل عمل الأزكياء، و؛ هل لك رغبة في أن، ﴿ وأهديك إلى ربك ﴾؛ أي إلى معرفة ربك وعبادته وتوحيده ومعرفة صفاته، ﴿ فتخشى ﴾؛ عقابه إن لم تطعه.
ثم بين الله لموسى أن يمضي، ﴿ فأراه الآية الكبرى ﴾؛ حتى أراه الآية الكبرى، يعني العصا إذ كانت أكبر آية، وقال بعضهم: اليد البيضاء التي أخرجها، لها شعاع كالشمس، ﴿ فكذب وعصى ﴾؛ أي فكذب فرعون بأنها من الله، وعصى موسى فلم يطعه، ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾؛ أي أدبر عن الإيمان، وأعرض عنه بعمل الفساد في الأرض، ويقال: أدبر: أسرع هاربا من الجنة.
79.23-24
قوله تعالى: ﴿ فحشر ﴾؛ أي فجمع قومه وجنوده، ﴿ فنادى ﴾؛ لما اجتمعوا، ﴿ فقال أنا ربكم الأعلى ﴾؛ أي لا رب فوقي، وقيل: إنه جمع قومه بالشوط يستنصر بهم على إبطال أمر موسى ودفع ضرر الحية، فنادى فيهم: أعيدوا أصنامكم التي كنتم تعبدونها، وأنا رب أصنامكم الأعلى.
79.25-27
قوله تعالى: ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾؛ معناه: لما بلغ في استكثاره وكفره إلى حد لا ينفع فيه الوعظ، حينئذ أخذه الله بعقوبة صار بها نكالا في الدنيا والآخرة، و
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا
[غافر: 46] ولو تفكر هؤلاء الجهال لعلموا أنه لو كان إلها لم يحتج إليهم لدفع ضرر الحية التي يخافها.
وقيل: معنى ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة ﴾ يعني كلمتي فرعون حين قال
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38] وقوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وكان بينهما أربعون سنة. قال مجاهد: ((هذا معنى الآخرة والأولى، وهي الكلمة الأخيرة، وقوله تعالى
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38] هي الكلمة الأولى)) وهذا قول أكثر المفسرين.
وقال الحسن: ((معنى: نكال الدنيا والآخرة، الأولى: غرقه في الدنيا، وعذابه في الآخرة بالنار)). وعن ابن عباس قال: ((قال موسى: يا رب أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول: أنا ربكم الأعلى، ويكذب بآياتك ورسلك، فأوحى الله إليه أنه كان حسن الخلق سهل الحجاب، فأحببت أن أكافئه)). قوله تعالى: ﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾؛ أي إن في الذي فعل فرعون من العقوبة حين كذب عظة لمن يخشى عذاب الله. والعبرة: هي الدلالة المؤدية إلى الحق.
ثم خاطب منكري البعث فقال تعالى: ﴿ ءأنتم أشد خلقا أم السمآء ﴾؛ الخطاب لأهل مكة، يقول أأنتم أشد خلقا، معناه: أخلقكم بعد الموت أشد عندكم أم السماء في تقديركم؟ وهما في قدرة الله واحد، وهذا كقوله
لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس
[غافر: 57]. وقوله تعالى: ﴿ بناها ﴾؛ أي بناها مع عظمها، فكيف لا يقدر على إعادتكم مع صغر أجسامكم؟!