68.14
قوله تعالى: ﴿ أن كان ذا مال وبنين ﴾؛ معناه: لا تطعه لأنه كان ذا مال وبنين؛ أي لا تطعه لماله وبنيه، وكان ماله نحوا من سبعة آلاف مثقال من فضة، وكان له بنون عشرة، وكان يقول لهم: من أسلم منكم فلا يدخلن داري، ولا أنفعه بشيء أبدا. وقرأ ابن عامر ويعقوب (أن كان ذا مال) بالمد، وقرأ حمزة وعاصم (أأن) كان بهمزتين. وقرأ غيرهم على الخبر حين قرأ بالاستفهام، فمعناه: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون راجعا الى ما بعده، والمعنى: لأجل أن كان ذا مال وبنين.
68.15-16
قوله تعالى: ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا ﴾؛ وهي القرآن أبى أن يقبلها و؛ ﴿ قال أساطير الأولين ﴾؛ أي ما كتبه الأولون من أحاديثهم قد درسه محمد وأصحابه. قوله تعالى: ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾؛ أي سنسمه بالسواد على الأنف، وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار، والمعنى: سنعلمه بعلامة يعرفه بها جميع أهل القيامة، ويقال: سنسمه بسيماء لا تفارقه آخر الدهر؛ أي نلحق به عارا يبقى ذلك عليه أبدا، كما تعرف الشاة بسيمتها، والخرطوم: الأنف، وقال الضحاك: (سنكويه على وجهه).
68.17-18
قوله تعالى: ﴿ إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ﴾؛ معناه: إنا امتحنا أهل مكة بالجوع والقحط والقتل والسبي والهزيمة يوم بدر، كما امتحنا أهل البستان، وأراد به بستانا كان باليمن يعرف بالقيروان دون صنعاء بفرسخين، كان يطئوه أهل الطريق، قد غرسه قوم بعد عيسى عليه السلام وهم قوم بخلاء، وقيل: من بني إسرائيل، وكانوا مسلمين باليمن، ورثوا هذا البستان من أبيهم وفيه زرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيه حظا للمسلمين عند الحصاد والصرام.
فلما مات أبوهم ورثوه وكانوا ثلاثة، قالوا: إن المال قليل والعيال كثير، فلا يسعنا أن نفعل ما كان يفعل أبونا، وإنما كان أبونا يفعل ذلك لأن المال كان كثيرا والعيال قليلا، فعزموا على حرمان المساكين، فتحالفوا بينهم يوما ليغدوا غدوة قبل خروج الناس ليقطعوا نخلهم إذا أصبحوا بسرقة من الليل من غير أن يشعر بهم المساكين، ﴿ ولا يستثنون ﴾؛ أي ولا يقولون إن شاء الله، وذلك قوله تعالى: ﴿ إذ أقسموا ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمرها ﴿ مصبحين ﴾ أي عند طلوع الفجر قبل أن يخرج المساكين إليه ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي ولم يقولوا إن شاء الله.
وروي أن أباهم كان يأخذ من هذا البستان قوت سنة لنفسه، وكان يتصدق بما بقي على المساكين. وقيل: إنه كان يترك لهم ما خرج من السباط الذي كان يسقط تحت النخلة إذا صرمت، فقال بنوه بعد موته: نحن جماعة وإن فعلنا ما كان يفعله أبونا ضاق عيشنا، فحلفوا ليصرمنها مصبحين لئلا يصل إلى المساكين منها شيء، ولا يستثنون.
وإنما شبه اختبار أهل مكة باختبار أهل البستان؛ لأن أبا جهل كان قال يوم بدر قبل التقاء الفئتين، والله لنأخذهم أخذا، ولم يستثن، فقال صلى الله عليه وسلم حين بلغه الخبر:
" اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسنين يوسف "
، وكان هذا الدعاء قبل وقوع الهزيمة على الكفار، فابتلاهم الله بالجوع والقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة.