48.21
قوله تعالى: ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾؛ أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم يقدروا عليها الآن، ﴿ قد أحاط الله بها ﴾؛ يفتحها عليكم، قال الفراء: (حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى يفتحها لكم).
واختلفوا فيها، فقال ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن ومقاتل: (هي فارس والروم) وكانت العرب لا تقدر على قتال فارس والروم، وفتح مدائنها حتى قدروا عليها بالإسلام. وقال قتادة: (هي مكة)، وقال عكرمة: (هي خيبر). وقوله تعالى ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ أي أحاطت قدرته بها وبأهلها، ﴿ وكان الله على كل شيء قديرا ﴾؛ كل شيء من فتح القرى والنصر وغير ذلك قدير.
48.22
قوله تعالى: ﴿ ولو قتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾؛ يعني أسدا وغطفان الذين أرادوا نهب ذراري المسلمين فانهزموا عنكم لأن الله ينصركم عليهم، ﴿ ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ﴾؛ قال ابن عباس: (من تولى غير الله خذله الله ولم ينصره).
48.23
قوله تعالى: ﴿ سنة الله التي قد خلت من قبل ﴾؛ أي سنة الله التي قد خلت من قبل في نصر أوليائه وقهر أعدائه؛ أي هذه سنتي في أهل طاعة وأهل معصية أنصر أوليائي وأخذل أعدائي، ﴿ ولن تجد لسنة الله ﴾؛ لحكم الله، ﴿ تبديلا ﴾؛ تغييرا.
48.24-25
قوله تعالى: ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ﴾؛ أول هذه الآية يدل على أن الله تعالى منع أيدي أهل مكة يوم الحديبية عن قتال المسلمين بالرعب، ومنع أيدينا عن قتالهم بالنهي.
وقيل: إن المؤمنين لم ينهوا عن قتالهم يومئذ، ولكن لم يقدر الله ذلك للمؤمنين إبقاء للمؤمنين المستضعفين الذين كانوا في أيدي المشركين كما قال تعالى: ﴿ وكان الله بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ من بعد أن أظفركم عليهم ﴾ ، قال أنس رضي الله عنه: (وذلك أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله من جبل التنعيم عند صلاة الفجر متسلحين، يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأخذهم رسول الله وأعتقهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية) ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ﴾.
وقال ابن عباس: (بعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين رجلا منهم، وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا فأتي بهم رسول الله، فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله بالحجارة والنبل، فأنزل الله هذه الآية). ﴿ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ﴾ أي هم الذين كفروا بمحمد والقرآن، يعني كفار مكة، وصدوكم عن المسجد الحرام أن تطوفوا به للعمرة ويحلوا من عمرتكم.
وقوله تعالى ﴿ والهدي معكوفا ﴾ أي وصدوا الهدي ممنوعا أن يبلغ محله الذي إذا صار إليه حل نحره وهو الحرم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ساق في ذلك العام سبعين بدنة إلى مكة. ﴿ معكوفا ﴾ في اللغة هو الممنوع عن الذهاب في جهته بالإقامة في مكانه، يقال: عكف على الأمر عكوفا، واعتكف في المسجد إذا أقام به.
ومعنى الآية: هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين بدنة معكوفا أي محبوسا أن يبلغ محله أي مسجده، وهذه الآية دلالة على أن محل الهدي الحرم، ولو كان محله غير الحرم لما كان معكوفا عن بلوغ محله.
قوله تعالى: ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم ﴾؛ معناه: ولو تطأوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات مقيمات بمكة لم تعلموهم فتقتلوهم، ﴿ فتصيبكم منهم ﴾؛ قبلهم، ﴿ معرة ﴾؛ أي عيب ومسبة في العرب بأنكم قتلتم أهل دينكم، ويقال: أراد بالمعرة الغم والجزع. وجواب (لولا) محذوف تقديره: لولا ذلك لدخلتم على أهل مكة ولوطأتموهم ليلا ولضربتم رقاب المشركين بنصرنا إياكم، ولكن الله منع من ذلك كراهة وطئ المؤمنين المستضعفين الذين كانوا بمكة، والمؤمنات بالقتل لأنهم لو دخلوا مكة لم يتميز لهم المؤمنون من الكفار، فلم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين.