تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ابن الوليد وهو صدوق إلا أنه كثير التدليس عن الضعفاء، ولفظه عن معاوية: نهى

رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمار وعن لبس الذهب إلا مقطعا،

والنمار والنمور جمع نمر، وفيه حذف مضاف فإنما النهي عن استعمال جلودها

بوضعها على الرحل، وعللوه بالخيلاء وبأنه زي العجم، ومعنى المقطع ما جعل

قطعا كحلي النساء، وما يجعل في سيف الرجل، كذا فسروه، قال في نيل الأوطار:

قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: والمراد بالنهي: الذهب الكثير لا

المقطع قطعا يسيرة منه تجعل حلقة أو قرطا أو خاتما للنساء أو في سيف الرجل،

وكره الكثير منه الذي هو عادة أهل السرف والخيلاء والتكبر، وقد يضبط الكثير

منه بما كان نصابا تجب فيه الزكاة (أي 20 مثقالا) واليسير بما لا تجب فيه

(انتهى) وقد ذكر مثل هذا الكلام الخطابي في المعالم، ولعل هذا الاستثناء خاص

بالنساء، قال: لأن جنس الذهب ليس بمحرم عليهن كما حرم على الرجال قليله

وكثيره اه. وقوله هذا مراد به تأييد مذهبه وحمل الحديث عليه كدأب المقلدين.

وقد أباح قليل الذهب بعض المصنفين في فقه المذاهب. قال أبو القاسم

الخرقي من قدماء أئمة الحنابلة في مختصره المشهور: ويكره أن يتوضأ بآنية

الذهب والفضة، فإن فعل كره. اه. وحمل الشارح في المغني الكراهة على

التحريم ثم قال في اختلاف الأئمة في الضبة الكبيرة وتعليل التحريم بالإسراف

والخيلاء: إذا ثبت هذا فاختلف أصحابنا فقال أبو بكر: يباح اليسير من الذهب

والفضة لما ذكرنا. وأكثر أصحابنا على أنه لا يباح اليسير من الذهب ولا يباح إلا

ما دعت إليه الحاجة كأنف الذهب وما يربط به أسنانه ... إلخ.

(3) السؤال عن إلباس النبي صلى الله عليه وسلم البراء خاتم الذهب. ومن

لبسه غيره من الصحابة، هل يجوز أن يقال: إنه لم يبلغهم النهي أم نقول: إنهم

حملوا النهي على التنزيه؟ أقول: حديث البراء أسنده البخاري في عدة أبواب

اختلفت ألفاظها بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان ولفظه في كتاب اللباس: نهانا

النبي صلى الله عليه وسلم عن سبع: عن خاتم الذهب - أو قال: حلقة الذهب -

والحرير، والإستبرق، والديباج، والميثرة الحمراء، والقسي، وآنية الفضة ...

إلخ. وقد ذكر الحافظ في شرحه من الفتح ما نصه: وقد جاء عن جماعة من

الصحابة لبس خاتم الذهب، من ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن

أبي إسماعيل أنه رأى ذلك على سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وصهيب

وذكر ستة أو سبعة، وأخرج ابن أبي شيبة أيضا عن حذيفة وعن جابر بن سمرة

وعن عبد الله بن يزيد الخطمي نحوه من طريق حمزة بن أبي أسيد: (نزعنا من

يدي أبي أسيد خاتما من ذهب) . وأغرب ما جاء في ذلك عن البراء الذي روى

النهي فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي السفر قال: رأيت على البراء

خاتما من ذهب. وعن شعبة عن أبي إسحاق نحوه أخرجه البغوي في الجعديات،

وأخرج أحمد من طريق محمد بن مالك قال: رأيت على البراء خاتما من ذهب فقال:

قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فألبسنيه فقال: (البس ما كساك الله

ورسوله) قال الحازمي: إسناده ليس بذاك، ولو صح فهو منسوخ. (قلت) : لو

ثبت النسخ عند البراء ما لبسه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي حديث

النهي المتفق على صحته عنه، فالجمع بين روايته وفعله إما بأن يكون على التنزيه

أو فهم الخصوصية له من قوله: (البس ما كساك الله ورسوله) وهذا أولى من قول

الحازمي: لعل البراء لم يبلغه النهي. ويؤيد الاحتمال الثاني أنه وقع في رواية أحمد:

كان الناس يقولون للبراء: لم تتختم بالذهب، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه

وسلم؟ فيذكر لهم هذا الحديث ثم يقول: كيف تأمرونني أن أضع ما قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: (البس ما كساك الله ورسوله) اه.

فعلم من هذا أن أجوبة العلماء عن التعارض بين رواية البراء وعمله ثلاثة:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٥٧