تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المخطوطة في مكتبة باريز الملوكية وتأليفه المسمى غارات العرب في جنوبي

فرنسة وفي البيامون (شمالي إيطالية) وفي سويسرة طبع بباريز سنة 1836 وقد

طالعنا منه نسخة في مكتبة منيخ عاصمة البافيار وذلك سنة 1920.

وأما المؤرخ الألماني الذي اعتمد عليه (فرديناند كلر) فهو (ليود براند)

المؤرخ الشهير القديم العهد ولد سنة 922 في لومباردية من أصل شريف ونشأ في

بلاط الملك هوغ المار الذكر في بافيان سنة 945 وعندما نفي الملك هوغ دخل

(ليود براند) في خدمة (برانجر) خلفه وقد سفر لبرانجر هذا إلى ملك القسطنطينية

وكانت وفاته سنة 970 وألف كتابين باللاتينية أحدهما اسمه: (معالي الإمبراطور

أوتون الكبير) والثاني اسمه (سياحتي إلى القسطنطينية) ملأه هزؤا بدولة

بيزنطية وصنف كتابا اسمه (الانتقام) كله نكات ونوادر على أبناء عصره. وفي

زمانه كانت وقائع العرب في سويسرة.

هذا ما اتصل إليه علمنا من تاريخ إقامة العرب بسويسرة، أو بالأحرى

(انتداب) العرب لإدارة تلك البلاد في القرن العاشر.

فإن قيل: إنك تعرض بما تسميه دول الحلفاء اليوم (انتدابا) على سورية

وفلسطين والعراق، وهذا لا يشبه ذاك؟ أجبنا أنه لا يوجد أدنى فرق بين الانتدابين،

فإذا كان العرب سفكوا دماء بسويسرة فهو - ولا شك - أقل جدا مما سفكه الحلفاء في

سورية والعراق، وإذا كان أخذوا جماعة بثأر واحد فالحلفاء لم يتوقفوا دقيقة واحدة عن

تدمير قرى بتمامها ورمي القنابر الديناميتية على النساء والأطفال والعاجزين وحصد

رءوس الألوف لأجل الانتقام من عمل رجل واحد أو عصابة مؤلفة من بضعة رجال.

وإن قيل: إن العرب في سويسرة سلبوا ونهبوا، فهل إذا تأمل المنصف إدارة الحلفاء

في البلاد الشرقية التي احتلوها وما جمعوه منها من الذهب وما وزعوا من الأوراق

المالية بدون ضمان وما حملوا الأهلين من المغارم وما استأثروا لأنفسهم من معادن

البلاد وأصناف مرافقها - يجد شيئا غير السلب والنهب؟ وزد على ذلك شيئا، وهو

أن العرب لم يخدعوا أهل سويسرة في القرون الوسطى بقولهم: أنهم حلفاؤهم وأنهم

إنما جاءوهم لتحريرهم من رق الأجانب حتى إذا انكشف الغطاء عرفوا أنها خدعة

وظهرت الذئاب من تحت أصواف الحملان، كلا كان عمل العرب في سويسرة

أشرف، وأبعد عن اللؤم، ولم يكونوا مع ذلك دولا عظاما بل شرذمة صعاليك لا

يعيبهم ما يعيب الدول العظام ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ (الشعراء: 227) .

... ... ... ... ... ... ... ... ... شكيب أرسلان

... ... ... ... ... ... ... ... في 15 إبريل سنة 1922

(المنار)

إننا نود لو يكون للقراء من العبرة بهذه الأثارة من تاريخهم ما هو في نظرنا أهم

من المقارنة التي ختمها بها الأمير الكاتب مراعاة لمقتضى الحال، وهي المقارنة بين

أحوال الأمة في طور حياتها وإقبالها، وطور ضعفها وإدبارها. تتقاذف الأمواج برهط

من صعاليك العرب لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين فتلقيهم بسواحل بلاد لا يشاركهم

أهلها في لغة ولا دين، ولا تربطهم معرفة ولا عهد ‍! يكون من أمرهم وأمر شراذم

تتبعهم ما استخرجه لنا الكاتب من أسفار تواريخهم من عزة ومنعة، وتمكن في

الأرض، وقتال أو إجارة للأمراء والملوك وفرض الضرائب والمكوس، وإقامة

للصروح والحصون. ثم يكون من أمر هذه الأمة أن يذل ألوف الألوف منهم في عقر

دارهم، ويسلمون قيادهم فيها لأعدائهم باختيارهم، حتى يكون من مثل أمير الحجاز،

تلك البلاد المقدسة التي تحترمها الدول الكبرى ولا تدنو منها بسوء، أن يقترح

باختياره على الدولة الإنجليزية أن تنتزع البلاد العربية حتى المقدسة من الترك

وتجعلها تحت حمايتها - وأن يكون هذا الاقتراح في الوقت الذي كانت فيه هذه الدولة

تتوقع محو اسمها من الدول العظمى بقوة الحلف الألماني التركي، حتى لو أجمع

العرب أمرهم واقترحوا عليها الاعتراف باستقلالهم المطلق ومساعدتهم عليه، ولو

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٣٩