السارازين، وطريقان كل منهما يسمونه السارازين، وسد طاحون منسوب إلى
السارازين، وواد صغير يسمونه وادي السارازين، وجندلان كبيران كل منهما يقال
له صخر السارازين، وباب يرفع ويخفض من آثار السارازين، وقرية اسمها ساراز،
وهناك أيضا حائط السارازين ومعسكر السارازين إلخ، وأمثال هذه الأسماء يجدها
الإنسان في مقاطعة بريس وفي الليونه، فمن ليون إلى حدود فرنسة الجنوبية تكثر
الأبواب التي ترفع وتحط أمام القلاع، وكلها منسوبة إلى السارازين.
ويقول هؤلاء المؤرخون الذين أثرنا عنهم ما تقدم من تاريخ العرب في
سويسرة: إنه كان للعرب قدرة بالغة على البناء وتشييد الأبراج وتحصينها وإحكام
أقفالها، وقد تركوا آثارا بديعة مدهشة، ففي إيطالية وغربي سويسرة لا تزال جدران
كثيرة مبنية بالحجارة الكبرى من بناء العرب، وفي كل بناء تركوه ظهر أنهم أهل
هندسة وقوة حيلة يعجب بها كل من تأملها، فتركوا بهذه الآثار ذكرا عظيما بين
الأهالي؛ ثم إنه قد وجدت في سويسرة مسكوكات كثيرة عربية، وأكثرها من
مسكوكات الإسلام في إفريقيا منها ضرب سنة 169 للهجرة ومنها ضرب 182
للهجرة، وأكثرها من عصر هارون الرشيد، وقسم منها مضروب في القيروان،
ويظن أن أكثر هذه النقود وصلت إلى سويسرة بواسطة النورمانديين، وكذلك وجدت
في بلدة مودون من سويسرة مسكوكات منها من سنة 170 للهجرة مضروب في أفريقيا
ومنها ضرب إسماعيل بن أحمد في أيام الخليفة المعتضد سنة 283 للهجرة، ومنها
ضرب في بغداد سنة 361 هجرية مكتوب على بعضها من الوجه الواحد (لا إله إلا
الله وحده لا شريك له. ركن الدولة أبو علي بويه، ومن الوجه الآخر: بسم الله، قد
ضرب هذا الدرهم في مدينة السلام عام ثلاث مائة وأربع وستين. ووجدت على
بعضها: محمد رسول الله. الطائع لله الملك العادل عضد الدولة أبو شجاع.
ويظن أن هذه المسكوكات وصلت بواسطة الحروب الصليبية أو عن طريق
التجارة.
ومما وجد من آثار العرب في سويسرة ثوب حريري مطرز في دير بقرب
(شور) يستعمله القسوس في القداس عليه كتابات عربية مطرزة بالقصب، ولا شك
أنه قبل أن يصير ثوبا كنسيا كان خلعة ملوكية أو حلة لأحد الأمراء، وقد أتى
المسيو سلنستر دوساسي في كتابه (المنتخب من تآليف العرب) في الصفحة 305
على بحث دقيق يتعلق بهذه المنسوجات العربية الفاخرة فقال ما ترجمته:
(عرفنا منسوجات كثيرة من هذا النوع الذي يسميه ابن خلدون بالطراز، منها
المعطف الذي كان يلبسه قياصرة ألمانية عند تتويجهم، فهذا الرداء عليه كتابات
عربية منسوجة بخيوط ذهبية، وقد قرأها وترجمها المسيو تيسشن فظهر أنه نسج في
بلرم في دولة الملك روجر (والعرب يقولون رجار) سنة 528 هجرية أي 1133
ميلادية وتجزم بأنه في أيام رجار؛ لأن الكتابات ليس فيها شيء من آثار الدين
الإسلامي، ومنها قطعة حريرية مطرزة بالذهب محفوظة في خزانة ذخائر كنيسة
(نوتردام) الكبرى بباريز بديعة الصنع مكتوب عليها اسم الخليفة الحاكم بأمر الله
المتوفى سنة 411 للهجرة، ثم قطعة ثالثة شبيهة في النفاسة بالثانية وجدت في
ضريح بدير (سان جيرمان) المروج، عليها كلمتان عربيتان مكررتان مرارا. كذلك
في مؤلف ظهر على آثار بلرم باللغة الإيطالية طبع في نابلي سنة 1814 مذكورة كتابة
عربية وجدت على أكمام القميص الذي وجد في ضريح الإمبراطور فريدريك الثاني
المتوفى في 13 ديسمبر سنة 1250. كذلك يذكر المسيو (دومور) سجادة عليها
كتابة عربية نسجت في مصر في زمان الخليفة المستعلي بالله وذلك يكون بين سنة
1094 وسنة 1101 للميلاد وهذه السجادة هي في خزانة آثار الفاتيكان الآن (أي
في زمان دساسي وهذا عاش بين سنة 1758 وسنة 1838) .
قد نقلنا كثيرا من هذا التاريخ عن المسيو رينو الفرنسي وهو من المستشرقين
المشهورين، كان عضوا للمجمع الملكي للآثار والآداب وأحد حفظة الكتب الشرقية