ومثل هذا ما يرويه بعض هؤلاء المفترين أن أهل الصفة سمعوا ما خاطب الله
به رسوله ليلة المعراج، وأن الله أمره أن لا يعلم به أحدا فلما أصبح وجدهم
يتحدثون به فأنكر ذلك فقال الله له: أنا أمرتك أن لا تعلم به أحدا، لكن أنا الله
أعلمتهم. إلى أمثال هذه الأكاذيب التي هي من أعظم الكفر، وهي كذب واضح فإن
أهل الصفة لم يكونوا إلا بالمدينة ولم يكن بمكة أهل الصفة، والمعراج إنما كان من
مكة كما قال سبحانه وتعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (الإسراء: 1) ومما يشبه هذا من بعض
الوجوه رواية بعضهم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه
وسلم يتحدث هو وأبو بكر وكنت كالزنجي بينهما، وهذا من الإفك المختلق. ثم
إنهم مع هذا يجعلون عمر الذي سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه، وهو
أفضل الخلق بعد الصديق لم يفهم ذلك الكلام بل كان كالزنجي، ويدعون أنهم هم
سمعوه وعرفوه، ثم كل منهم يفسره بما يدعيه من الضلالات الكفرية التي يزعم أنها
علم الأسرار والحقائق، إما الاتحاد وإما تعطيل الشرائع. ونحو ذلك مثلا ما يدعي
النصيرية والإسماعيلية والقرامطية والباطنية والثنوية والحاكمية وغيرهم - من
الضلالات المخالفة لدين الإسلام ما ينسبونه إلى علي بن أبى طالب أو جعفر الصادق
أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت والجدول والجفر وملحمة ابن عقب، وغير
ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة، وكل هذا باطل فإنه لما كان لآل
رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم به اتصال النسب والقرابة، وللأولياء
والصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة - صار كثير ممن يخالف
دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته وأهل موالاته
ومتابعته، وصار كثير من الناس يغلو إما في قوم من هؤلاء أو من هؤلاء حتى
يتخذهم آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم على شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته،
وحتى يخالف كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن
أهل الموالاة له والمتابعة، وهذا كثير في أهل الضلال.
(فصل) وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل
خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب موقوفا ومرفوعا، وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف
الأمة وأئمة العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلي، وكذلك سائر أهل الشورى مثل
طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح
أمين هذه الأمة ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد قال الله تعالى
في كتابه: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من
الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} (الحديد: 10) ففضل
السابقين قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأنفسهم وأموالهم على التابعين بعدهم، وقال
الله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (الفتح:
18) وقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم
بإحسان} (التوبة: 100) .
وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم، وهؤلاء الذين فضلهم
الله ورسوله، فمنهم من هو من أهل الصفة. والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل
الصفة إلا سعد بن أبي وقاص، فقد قيل: إنه أقام بالصفة مرة. وأما أكابر المهاجرين
والأنصار مثل الخلفاء الأربعة ومثل سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر
وأبي أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ونحوهم - لم يكونوا من أهل
الصفة بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين. والأنصار كانوا في
ديارهم، ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم.
(فصل) وأما سماع المكاء والتصدية - وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية