المسلمين منها لأجل ذلك كما يطعن فيها دعاة النصرانية لهذه العلة وللطمع في
تنصير المسلمين، وهذا الخوف من إقامة الخلافة يكون على أشده إذا كان الباعث
على إقامتها السياسة المحضة التي يستحل أصحابها كل عمل لأجل مصلحتهم، وقد
يكون ذلك إذا كان الباعث دينيا محضا وهو إقامة حكم الإسلام كما شرعه الله تعالى،
وليس من شروطها أن يتبعها جميع المسلمين، ونحن نعلم أن هذا متعذر غير
مستطاع في هذا الزمان وتكليف غير المستطاع ممنوع في الإسلام: {لا يكلف الله
نفسا إلا وسعها} (البقرة: 286) بل نحن نرى الرأي الغالب في بعض البلاد
يأبى إحياء الخلافة حتى إننا نجتهد في إقناع الحكومة التركية الحاضرة به ونشك في
قبولها، فإن زعيمها وصاحب النفوذ الأعلى في أقوى أحزابها يصرح في خطبه بأن
السلطة في هذه الحكومة للأمة التي يمثلها المجلس الوطني الكبير بلا شرط ولا قيد،
وأنه لا يمكن أن يكون لشخص معين نفوذ فيها مهما يكن لقبه، أي خليفة سمي أو
سلطانا.
لما أذاع الاتحاديون عزمهم على إنشاء مدرسة جامعة إسلامية في المدينة
المنورة وابتداع سجل لطلاب الشفاعة النبوية فيها، وقالت الجرائد وغير الجرائد: إن
مرادهم بذلك إحياء الجامعة الإسلامية - كتبت مقالة في هذا الموضوع نشرتها في
المجلد السابع عشر من المنار (سنة 1330) قلت فيها نصه:
(وأما رأيي الذي أنصح به الدولة فهو أن تصدي رجاله السياسيين لتحريك
أوتار الجامعة الإسلامية يضر الدولة كثيرا ولا ينفعها إلا قليلا، ويوشك أن تكون
هذه الأقوال التي قيلت في هذه المسألة - على قلة تأثيرها- من أسباب ما نراه من
شدة تحامل أوربة عليها، وأكتفي في هذا المقام بالمثل الذي يكرره الإمام الغزالي
(كن يهوديا صرفا وإلا فلا تلعب مع اليهود) .
ومرادي من هذا أنه يجب عليها أحد أمرين:
(الأول) أن تؤسس حكومة إسلامية خالية من التقاليد والقوانين الإفرنجية إلا
ما كان من النظام الذي يتفق مع الشرع ولا يختلف باختلاف الأقوام، وتعطي مقام
الخلافة حقه من إحياء دعوة الإسلام وإقامة الحدود وحرية أهل الأديان ولا يعجزها
حينئذ أن ترضي غير المسلمين من رعاياها الذين ليس لهم أهواء سياسية ولا ضلع
مع الدول الأجنبية، بل يكون إرضاؤهم أسهل عليها منه الآن إن شاءته، ولو كان لي
رجاء في إصغائها إلى هذا الرأي أو جعله محل النظر والبحث لبينت ذلك بالتفصيل
ولأوردت ما أعلمه من المشكلات والعقبات التي تعترض في طريق تنفيذه من
داخلية وخارجية مع بيان المخرج منها، ثم ما يترتب عليه من تجديد حياة الدولة،
وكونه هو المنجي لها من الخطر، وإن تراءى لكثير من الناس أنه هو المسرع
بالخطر ظنا منهم أن أوربة تعجل بالإجهاز على الدولة إذا علمت أنها شرعت
بنهضة إسلامية لعلمها بأن هذه هي حياتها الحقيقية، وكون حياتها بهذا هو ما
يصرح به بعض أحرار الأوربيين، وإن خوف منه بالتمويه والإيهام أكثر
السياسيين.
(الثاني) أن تدع كل ما عدا الأمور الرسمية المعهودة لديها من أمور الدين
إلى الجمعيات الدينية الحرة والأفراد الذين يدفعهم استعدادهم إلى هذه الخدمة، ولها
أن تساعد ما يستحق المساعدة من هذه الأعمال بالحماية، وكذا بالإعانة المالية من
أوقاف المسلمين الخيرية (إذا كانت تريد بقاء الأوقاف العامة في يدها ولم تجب
طلاب الإصلاح إلى جعل أوقاف كل ولاية في أيدي أهلها) مع بقائها بمعزل عن
السياسة وأهلها، ولولا أن هذا هو رأيي لما اشترطت على رجال الدولة وجمعية
الاتحاد - إذ عرضت عليها مشروع الدعوة والإرشاد - أن يكون في يد جماعة حرة
لا علاقة لها بالسياسة، وأن لا تخصص لها إعانة من خزينة الدولة بل تكون نفقاتها
مما تجمعه هي من الإعانات بأنواعها، ومما تعطاه من أوقاف المسلمين الخيرية
﴿فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد﴾ (غافر: