تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوية عادلة قديمة راسخة يرجع تاريخها إلى القرن الثالث من الهجرة وقد حاربتها

الدولة العثمانية زهاء أربعة قرون لإسقاطها فعجزت عن ذلك، ولكن الحكومة

البريطانية كانت لها بالمرصاد، وما زالت تكيد لها وتسعى بالدسائس والفتن للتدخل

في شؤونها والتوسل بذلك للاستيلاء عليها ولم تستطع ذلك، ولن يجعل الله لها

عليها سبيلا.

ولقد اشتهر لدى الخاص والعام أن الدولة البريطانية كانت ظهيرة للخلافة

العثمانية التركية، وما ذلك إلا لعلمها أنه صورية وأنها هي التي تنتفع بإظهار

صداقتها لها، وكان رجال هذه الدولة الداهية أعلم الناس بأن هذه الدولة قد دب في

جسمها الانحلال، وأنها سائرة في طريق الفناء والزوال، وإنما كانوا يحاولون أن

تبقى حصنا بين القيصرية الروسية المخيفة بسرعة تكونها ونموها، وبين البحر

الأبيض المتوسط على شرط أن تكون قوة هذا الحصن بما وراءه من المساعدة

البريطانية لا بنفسه، وقد بينا هذا في المنار من قبل، وأن الغازي أحمد مختار باشا

وافقنا على أن قاعدة الدولة البريطانية في السياسة العثمانية: أن لا تموت الدولة ولا

تحيا، وبينا أيضا أن هذه القاعدة قد تغيرت بما كان بين الدولتين - البريطانية

والروسية - على مسائل الشرق، واقتسامهما بلاد إيران قبل الحرب، وأنها تجنح إلى

إقامة خلافة عربية صورية تكون آلة بيدها بعد الحرب العامة، والتمكن من خداع

شريف مكة وتسخيره لمساعدتها، ونحمد الله أن جعلنا من أسباب خيبة هذا السعي

حتى لم يتم لها.

قد عنيت الدولة البريطانية منذ أول زمن هذه الحرب بالبحث في مسألة

الخلافة، وطفق رجالها يستطلعون علماء المسلمين وزعماءهم في مصر والسودان

والهند وغيرها آراءهم فيها ليكونوا على بصيرة فيما يريدونه من إبطال تأثير إعلان

الخليفة العثماني الجهاد الديني بدعوى بطلان صحة خلافته من جهة، وبدعوى أن

هذه الحرب لا شأن للدين فيها من جهة أخرى، وقد وجد من منافقي الهند من كتب

لهم رسالة باللغة الإنكليزية في ذلك وأرسلها إلينا ناشرها لنترجمها بالعربية

وننشرها في المنار، فعجبنا من جهله ونفاقه، ولولا المراقبة الشديدة على الصحف

عامة والمنار خاصة في تلك الأيام لرددنا عليها، وقد اطلعنا على ما كتبه بعض

علماء مصر لهم في الخلافة، وهو نقل عبارة (شرح المقاصد) وعبارات أخرى

في معناها، وعلمنا أن بعض العلماء كتب لهم بعض الحقائق فيها.

وقد دارت بيننا وبين بعض رجالهم مناقشات في المسألة العربية اقتضت أن

تكتب لهم مذكرات في تخطئة سياستهم فيها، بينا في المذكرة الأولى منها التي قدمناها

لهم في أوائل سنة 1915 أن أكثر مسلمي الأرض متمسكون بالدولة العثمانية

وخليفتها؛ لأنها أقوى الحكومات الإسلامية وأنهم يخافون أن يزول بزوالها حكم

الإسلام من الأرض، وأن هذا أعظم شأنا من بقاء المعاهد المقدسة سليمة مصونة،

بل بينا لهم أيضا أن إعلانها الجهاد شرعي، وأن سبب ضعف تأثيره في مثل مصر

هو الاعتقاد بأنها منتصرة مع حلفائها فلا تحتاج إلى مساعدة.

وعدت إلى بحث الخلافة في آخر مذكرة منها وهي التي أرسلتها إلى الوزير

لويد جورج في منتصف سنة 1919 فقلت في بيان ما يرضي المسلمين من إنكلترا:

(إن الوزير قد علم أن الاعتراف باستقلال الحجاز وتسمية أمير مكة ملكا لم يكن

له ذلك التأثير الذي كان الإنكليز يتوقعونه من قلوب المسلمين - ذلك بأن بلاد

الحجاز أفقر البلاد الإسلامية وأضعفها في كل شيء، وهي موطن عبادة لا ملك

وسيادة، ولم يكن المسلمون مضطربين من الخوف على المساجد المقدسة أن تهدم أو

يمنع الناس من الصلاة فيها والحج إليها وزيارته، بل الاضطراب الأعظم على

السلطة الإسلامية التي يعتقدون أن لا بقاء للإسلام بدونها، والحرص على بقائها

ممزوج بدم كل مسلم وعصبه، فهو لا يرى دينه باقيا إلا بوجود دولة إسلامية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٢٣