بالعدول من المؤمنين كما قيده في المسألة الخاصة بالنساء المسلمات، وبينا ضعف
حمل المطلق على المقيد في الآيتين مع اختلاف موضوعهما، والفرق بين الإشهاد
والشهادة، كما بينا ضعف القول بأن غير المسلم لا يكون عدلا بدليل القرآن؛ إذ جاء
فيه: ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ (الأعراف: 159) وقوله:
﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ (آل عمران: 75) كما بينا
ضعفه بدليل سيرة البشر المعلومة بالاختبار والعقل، وهو أنه لم توجد أمة من الأمم
جردت من الصدق والعدالة بحيث لا يصدق أحد من أهلها، وبينا أيضا سبب
تفضيل الفقهاء للمسلم على غيره في الشهادة من أربعة أوجه، أهمها ما كان عليه
المسلمون الأولون من التقوى والصدق وعدم المحاباة عملا بوصايا الدين التي تقدم
بعض الآيات فيها آنفا، وما اتفق عليه المؤرخون في مقابلة ذلك من غلبة فساد
الأخلاق على الأمم الأخرى التي فتح المسلمون بلادها.
وفي أصول الشريعة مستند آخر لشهادة غير المسلم، وهو دخولها في عموم
البينة إذا ثبت عند القاضي صدقه فيها، فإن البينة في اللغة كل ما يتبين به الحق،
وقد فصل المحقق ابن القيم هذا المعنى في كتابه: (إعلام الموقعين) ونشرنا ذلك
في المنار وبينا أنه يدخل في عموم البينة كل ما تجدد في هذا العصر من أنواع الكشف
عن الجرائم، كأثر خطوط الأصابع على الأشياء مثلا، ومن أراد التفصيل فعليه
بالمنار وتفسيره.
فلم يبق بعد هذا البيان على إجماله من عذر لغير المسلمين إذا كرهوا إحياء
الشريعة الإسلامية العادلة لمحض التعصب الأعمى أو لتفضيل تشريع الأجانب على
تشريع من يشاركهم في وطنهم، وليس من الحق ولا من العدل أن تكلف أمة ترك
منقبة التشريع الفضلى ومثل هذه الحكومة المثلى؛ إرضاء لفئة قليلة لا مصلحة لها
في تركها وإنما تكرهها لمحض التعصب على السواد الأعظم من أهل وطنها،
وناهيك بما تأرث من الضغائن بين مسلمي الأناضول والروم والأرمن الذين خرجوا
على الترك في زمن محنتهم وساعدوا أعداءهم عليهم في حربهم.
وموضوع الكلام في إقامة الخلافة في هذه البلاد التركية، فإذا رضي الترك
بذلك وعاملوا هؤلاء الجناة البغاة بعدل الشريعة ورحمتها، فلا يعقل أن يكرهوا ذلك
أو يفضلوا عليه غيره إن كانوا يعقلون، وإنما أخشى أن يكون هذا الأمر نفسه مما
ينفر كثيرا من الترك عن إقامة الشريعة التي تحرم أن يتبعوا الهوى في معاملة أقوام
أولئك الجناة القساة الذين خربوا ديارهم بالنار والبارود وهم يرونها بأعينهم أكواما
من الرماد والأنقاض.
وهذه حكومات جزيرة العرب إسلامية محضة ليس فيها قوانين وضعية ولا
تشريع أوربي، وأقدمها حكومة أئمة اليمن، وهنالك كثير من اليهود وهم راضون من
حكومة الإمامة الشرعية لم يشكوا منها ظلما ولا هضما ولا يفضلون عليها حكومة
أخرى، ولو سرى إليهم سم السياسة الاستعمارية من طريق التعليم أو غيره لأفسدوهم
على حكومتهم وأثاروهم عليها لطلب وطن قومي لهم في البلاد، ولوعدهم نافثو السم
بالمساعدة على ذلك حبا في الإنسانية، أي حبا بإفساد الإنسانية وإثارة البغضاء بين
المختلفين في الدين والجنس أو اللغة بعضهم على بعض؛ ليتمكنوا هم من استعباد
الجميع ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (الحشر: 2) .
***
34- الخلافة ودول الاستعمار:
من البديهي [1] أن إقامة الخلافة الإسلامية يسوء رجال دول الاستعمار، وأنهم
قد يقاومونها بكل ما أوتوا من حول، وقوة وأحرصهم على ذلك الدولة البريطانية.
ولا أجهل ممن يظنون أنها كانت تسعى قبل الحرب لجعل الخلافة في الأمة العربية،
إلا الذين يظنون اليوم أنها تود تأسيس دولة أو دول عربية! ولو كانت تريد هذا من
قبل لكان أقرب طرقه مساعدة أئمة اليمن المجاورين لها في منطقة عدن على الترك
بالسلاح والمال لتنظيم جيشهم والاستيلاء على الحجاز؛ فإن حكومة الإمامة في اليمن