الموصوفين بالمسلمين وصرح بعضهم بتعليل الرد بأنه يترتب عليه أن يجوز
للشرطة منع الرجل من الجلوس مع امرأة في ملهي من الملاهي أو مقهى من
المقاهي العامة لمعاقرة الخمر !! وقد كان رد هذا الاقتراح أقبح خزي صدر من
ذلك المؤتمر، وإن علل الرد بعضهم بالاستغناء عن قيد الآداب العامة بقيد القوانين
التي يمكن أن ينص فيها على ذلك القيد، وخدع بعض أهل الدين والأدب بذلك،
وما كان ينبغي لهم أن يخدعوا، بل أقول: إن أكثر النصارى من أعضاء ذلك
المؤتمر كانوا أقرب إلى المسلمين المتمسكين بأحكام الإسلام منهم إلى المنفلتين من
الدين، وإن كانوا يتقربون إليهم وينتصرون لهم فيما يوافق أهواءهم من مخالفة
هداية الدين العامة.
وقد ثبت بالتجارب أن غير المتدينين إذا اختلفوا لأسباب سياسية أو غيرها
فإنهم يكونون أشد عداوة وقسوة بعضهم على بعض من المتدينين بالفعل من الفريقين -
فالمتدين وإن شذ يكون أقرب إلى الرحمة من المادي - واعتبر ذلك بما وقع من
القسوة في هذه الحرب البلقانية العامة بين الأوربيين أنفسهم وبين من غلبت عليهم
تربيتهم من الأرمن والروم والترك.
وأضرب مثلا آخر: الدكتور (برتكالوس) الرومي قال لجماعة من السوريين
كانوا يظهرون الابتهاج والسرور بالدستور العثماني عقب إعلانه: إن حكم الشريعة
الإسلامية خير لنا - معشر النصارى - من حكم الدستور الذي يسلبنا كثيرا مما أعطتنا
الشريعة من الامتيازات، ويحملنا ما أعفتنا من التكليفات. وأيد كلامه اشتداد العداء
بين الترك وبين الروم والأرمن وغيرهما بعد الدستور الذي ترتب عليه سلب هؤلاء
كثيرا مما كان لهم منذ كان الحكم بالشرع وحده.
وإنني أعقب على هذا القول بأن أشد ما يتبرم به متفرنجة الترك من أحكام
الشريعة هو ما أعطته من الحرية الواسعة لغير المسلمين في بلاد الإسلام، ويرون
أنه لولاها لصارت هذه البلاد ملة واحدة كبلاد أوربا التي لم يكن فيها شيء من هذه
الحرية، ولاستراحت من العداوات والفتن التي أثارها عليهم نصارى الرومللي
فالأناضول بدسائس أوربة حتى كانت سبب انحلال السلطنة العثمانية. هذا رأيهم،
ومن الغريب أن كثيرا من نصارى بلادنا المتفرنجين يوافقونهم على هذه النظرية،
ويقولون ياليت المسلمين أكرهوا أجدادنا على الإسلام في أزمنة الفتح والقوة، إذا كنا
في أوطاننا أمة واحدة ذات ملة واحدة فنسلم من شقاء هذا الشقاق والفتن المخربة
للبلاد.
لا مجال في هذا المقام لتحرير القول في هذه المسألة، وليس من الصعب بيان
خطأ من يظن أن معاملة نصارى الدولة بعدل الشريعة الإسلامية وحريتها هو الذي
ألبهم عليها، ولا إثبات أن الذي ألبهم ثم أثارهم هو جهل رجال الدولة وغفلتهم عن
دسائس أوربة في هذه الشعوب وما بثوا في مدارسها وكنائسها، وإنما غرضنا من
ذكرها أن الشريعة الإسلامية خير للنصارى في بلاد أكثر أهلها مسلمون، من حكومة
مدنية لا يتقيد أهلها بأصول هذه الشريعة - كما كانوا في عهد الخلفاء من العرب - فإن
الفرق الحقيقي بين الحكومتين هو أن الأكثرية المسلمة لا يحل لها أن تتبع هواها
في التشريع الديني ولا في التنفيذ بما يعد ظلما للأقلية غير المسلمة؛ لأن الله تعالى
حرم الظلم تحريما مطلقا لا هوادة فيه ولا عذر، وأوجب العدل إيجابا مطلقا عاما لا
محاباة فيه، وحذر تحذيرا خاصا من ترك العدل في حالة الكراهية والبغض من أي
فريق كان بقوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب
للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة: 8) أي ولا يحملنكم بغض
قوم لكم أو بغضكم لهم - قال بعض المفسرين: أي الكفار، والصواب أنه أعم - على
أن لا تعدلوا فيهم بل اعدلوا فيهم كغيرهم - وحذف المعمول دليل العموم- أي
اعدلوا عدلا مطلقا عاما في المؤمن والكافر والبر والفاجر والصديق والعدو إلخ، وقال