تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصورة المأتم فرع عنه [1] .

روح الإيراني يريد أن يرى رجلا جالسا على عرش الملك بكل عظمة وفخامة،

يريد أن يحصر حق التعظيم فيه وفي ورثته؛ لأن هذا المعنى تبوأ ورسخ في

سويداء قلب الشعب وأمسى روحا ثانيا له، يريد أن يرى آمرا كبيرا ذا أبهة وبهجة

يأمر وينهي متأبها متألها - لا عبدا متواضعا - ومن تحته أمة تأتمر وتطيع وتخضع،

وأنى يجد هذا في الإسلام؟ الإسلام حرم الاستبداد والتعظم والكبرياء، ونسخ

توارث الأمر والنهي وجعل الخلافة تابعة للشورى. وكان الخليفة كآحاد الناس

بعيدا عن العظمة وعن الفخفخة. لذلك أحدثوا مسألة (الإمامة المعصومة) لتقوم

مقام الكسروية المقدسة، فيتوارثون عروش الأكاسرة، فاستعانوا ببني هاشم لا

لإجلاسهم على عرش الخلافة؛ بل لإجلاس أحفاد إسماعيل الشاه على عرش كسرى.

إن عقل الإيراني ما كان يقدر أن يفهم معنى أصول انتخاب الرئيس السياسي

من الناس. وكان انتخاب الخلفاء الراشدين الأربعة في نظره من أغرب الغرائب

لأن (زردشت) غرس في قلبه فكرة توارث الرئاسة والعظمة والجلال. لذلك كانوا

يتعجبون من ترجيح أحد على علي كرم الله وجهه؛ لأن الفضل الذاتي كان في

نظرهم شيئا غريبا؛ ولا سيما أولاد سيدنا علي رضي الله عنهم أسباط الرسول

صلى الله عليه وسلم.

وهذا هو سر تولد مسألة (الإمامة) فإنها من مقتضيات روح إيران. ولما

كان الحسين رضي الله عنه قد تزوج إحدى عقائل بيت الملك في إيران من أسرة

(الساسانيين) كان الفرس يعلقون أهمية كبرى على هذه النقطة.

كانت روح الإيراني تطلب (خداوند) أي رئيسا إلهيا لتنقاد له وتطيعه طاعة

وجدانية وتمتثل أوامره بغير بحث ولا مراجعة. وأنى لها في الإسلام مثل ذلك

وأكبر خليفة يقول علنا: (أيها الناس من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه) فيجاب

من آحاد الناس بكل بساطة: (لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا) [2] .

الإيراني ما كان يمكن أن يفهم هذا، وروحه يأبى قبوله. وإنما يريد (خداوند)

أي رئيسا إلهيا يأمر فيطاع بلا نقد وبلا اعتراض. الإيراني ينشرح صدره إن قتل أو

كسر أو سمم أحدا امتثالا لأمر (الخداوند) وتكفي أدنى إشارة منه ليطيع بكل سرور.

وهذا السرور لا بد له من (خداوند) إذا ما العمل والإسلام يأبى ذلك؟ وجدوا فكرة

إحداث (إمام يورث) أقصر طريق لما نووا. وهكذا فعلوا.

من قرأ روح أبي مسلم من أفعاله يتضح له صدق ما نقول، وللقارئ الكريم

البيان:

أمر الإمام (إبراهيم) أبا مسلم الخراساني أن يقتل كل من اشتبه في إخلاصه

وإن كان ولدا لا يتجاوز طوله خمسة أشبار، فامتثل أبو مسلم هذا الأمر بدون تردد؛

لأنه صدر من (خداوند) أي من إمام، ومجموع من قتل أبو مسلم على

الشبهة ستمائة ألف مسلم. ولقد صور المؤرخ ابن الأثير هذه الفواجع تصويرا تاما

حتى إن (أبا سلمة الخلال) الذي أحرز عنوان (وزير آل محمد) لم يقدر أن

يصون دم نفسه من قانون الشبهة؛ لأن أبا مسلم كان يتلقى أوامر ممثل (الخداوند)

الإمام إبراهيم كأمر إلهي.

وياليت الأمر بقي مسوقا بروح الإيرانيين وحدهم بل إن روح سورية المقتبسة

من روح الروم زاد الأمر اضطرابا وتهويشا؛ إذ من المعلوم أن بعض الجنود

السورية والعراقية أغريت يوم (صفين) بعدم الطاعة لعلي كرم الله وجهه

ولمعاوية أيضا، وهذه الديمقراطية الواسعة ليست إلا من بقايا أفكار (بيزانس)

فتشوشت أفكار العرب بين هذا الجزر الإيراني والمد الرومي (وكان العربي من

القديم قانعا بالانكماش في جزيرته ولا يحلو له إلا ما عنده فلا يعرف ما عند غيره.

والسياسة هي معرفة المتغير ومعاملته حسبما علم من أحواله) وأوضح دليل على

عقلية الإيرانيين ما عمله أهل بلدة (راوند) من توابع أصفهان يوم جاءوا لمقابلة

الإمام المنصور إذ نادوه (يا خداوند) أي إلهنا؛ لأن كلمتي (إمام وخدواند) في نظر

الفرس لا يتجزآن، وعندما عدلوا عن تسمية المنصور إماما لم تستطع الروح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١١١