تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما ما نراه في هذه السماء من نجوم وأجرام سماوية ومجرات وكائنات، فهي أمور كتب فيها مجلدات و موسوعات يتطلب التعرف على أنظمتها دراسة واسعة وتخصصا كبيرا، وهي مظهر من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى التي تتجلى في خلقه كل ذلك.

والأرض أهم عالم عرفناه، وفيها أحوال لا توجد مثلها في شيء من هذا الكون الواسع. وهي على ضخامتها في نظرنا لا تساوي في الحقيقة ذرة في هذا الكون العجيب. ولو ان حجمها كان أقل أو أكثر مما هي عليه الآن، لاستحالت الحياة فوقها. وهي تدور بسرعة مقدارها ألف ميل في الساعة، وفيها جاذبية غير عادية، وهي تشد كل شيء اليها بفعل تلك الجاذبية.

وتكمل الأرض دورة واحدة حول محورها كل أربع وعشرين ساعة، ولو فرضنا ان انخفضت هذه السرعة الى مائتي ميل في الساعة، لطالت أوقات ليلنا ونهارنا عشرات المرات، عما هي عليه الآن. ويترتب على ذلك ان تحرق الشمس كل شيء فوق الارض، فإن بقي بعد ذلك شيء قضت عليه البرودة الشديدة في الليل.

ثم ان هذه الارض دائرة في الفضاء حول الشمس، وعلى زاوية محددة، الأمر الذي تنشأ عنه فصول السنة، وصلاحية البقاع للزراعة والسكن، فلو لم تسر الأرض على هذه الزاوية لغمر الظلام القطبين طوال السنة، ولسار بخار البحار شمالا وجنوبا، ولما بقي على الأرض غير جبال الثلج وفيافي الصحراوات.. اذ ذاك تغدو الحياة على هذه الأرض مستحيلة تماما.

ولو كانت قشرة الارض أكثر سمكا مما هي الآن بمقدار عشرة أقدام لما وجد الأكسجين، لأن القشرة الارضية ستمتص الاوكسجين في تلك الحال. وبدونه تستحيل الحياة الحيوانية.

وكذلك لو كانت البحار أعمق مما هي الآن بضعة أقدام، لا نجذب إليها غاز ثاني اوكسيد الكربون، والاوكسجين، ولاستحال وجود النباتات عند ذلك.

ويحيط بالأرض غلاف جوي خليط من الغازات التي تحتفظ بخصائصها، وأقرب طبقات الارض الى سطحها تسمى تروبوسفير، وهي تمتد الى ارتفاع ثمانية كيلو مترات عند القطبين والى 11 كم في خطوط العرض الوسطى، و12 كم عند خط الاستواء. وفي هذه الطبقة يحدث خلط مستمر للهواء نتيجة للتيارات الصاعدة والهابطة.... ويتركب الغلاف الجوي من الأزوت والأوكسجين، والأرغون، وثاني أوكسيد الكربون، وكميات ضئيلة من غازات النيون والكريتون والهيليوم والأيدروجين والكسينون والأوزون، بالاضافة الى كميات متغيرة من بخار الماء والغبار. ولكل هذه المواد نسب معينة محددة لا تزيد ولا تنقص.

ولو كان الغلاف الجوي للأرض ألطف مما عليه الآن، لاخترقت النيازك الغلاف الخارجي منه كل يوم، ولرأينا هذه النيازك مضيئة في الليل، ولسقطت على كل بقعة من الارض وأحرقتها. فلولا ان غلاف الارض الهوائي يقينا من هذه الشهب لأحرقتنا. ذلك ان سرعتها أكبر من سرعة طلقة البندقية بتسعين مرة، كما ان حرارتها الشديدة كافية لإهلاك كل ما على سطح هذه الأرض.

والآن. ألا يدل هذا التوازن الدقيق العجيب جدا على قدرة الخالق وبديع صنعه! الحق أنه لم يكن صدفة، ولا وجد عفوا كما يقول المبطلون الجاهلون.

لكن، من يدرك ذلك؟ إنهم أولوا الألباب، فهم الذين ينظرون إليه ثم يستحضرون في نفوسهم عظمة الله وجلاله. ومن ثم تجدهم لا يغفلون عنه تعالى في جميع أحوالهم: قائمين، وقاعدين، وعلى جنوبهم. وهم يتفكرون في خلق السماوات والارض، وما فيها من عجائب ثم يقولون: ربنا ما خلقت كل هذا الكون العجيب عبثا، بل وفق حكمة قدرتها، إنك أنت العزيز الحكيم.

وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يخاطبون ربهم عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه في بدائع خلقه، فوفقنا يا رب بعنايتك الى العمل الصالح حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار.

ثم إنهم يضرعون الى ربهم قائلين: يا ربنا وخالقنا، إن من يستحق النار بأعماله السيئة سيلقاها، وبذلك تكون قد أخزيته وأظهرت فضيحته. وليس للظالمين الذين استحقوا النار أنصار يحمونهم يوم القيامة من دخول النار.

تيسير التفسير · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تيسير التفسيرص ١٧٤