ثم رغبهم في سماع العظات من الأئمة وان الله عنده ما هو خير من اللهو ومن التجارة، فقال:
﴿ قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ﴾
فاطلبوا رزقه وتوكلوا عليه، ولا يأخذ كل انسان الا ما كتب له. والله كفيل بالأرزاق للجميع.
وكان عراك بن مالك، رضي الله عنه، اذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. عراك هذا من التابعين من الفقهاء العلماء.
63 - سورة المنافقون
63.1-6
المنافق: هو من يظهر الايمان ويبطن الكفر. جنة: بضم الجيم، وقاية. طبع: ختم عليها. لا يفقهون: لا يعلمون. تعجبك اجسامهم: لصباحتها وتناسب اعضائها. تسمع لقولهم: لفصاحتهم وحسن حديثهم. خشب مسندة: جمع خشبة، يعني انهم أجسام فارغة لا حياة فيها. يحسبون كل صيحة عليهم: فهم لشعورهم بالذنب وبحقيقة حالهم، يظنون أن كل صوت او حركة عليهم. قاتلهم الله: لعنهم الله وطردهم من رحمته.
يؤفكون: يصرفون عن الحق. لووا رؤوسهم: أمالوها استهزاء. يصدون: يعرضون.
لقد وصف الله تعالى المنافقين هنا بأوصاف قبيحة في منتهى الشناعة، فهم كذابون يقولون غير ما يعتقدون، قد تستروا بأيمانهم، يحلفون كذبا بالله سترا لنفاقهم وحقنا لدمائهم، وهم يصدون الناس عن الاسلام، ويأمرونهم أن لا ينفقوا على المسلمين. وانهم جبناء، فرغم ضخامة أجسامهم، وفصاحة ألسنتهم يظلون في خوف دائم، يظنون كل صيحة عليهم.
ولذلك كشف أمرهم هنا بوضوح فقال تعالى:
﴿ إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ﴾.
فالله تعالى يخبر الرسول الكريم أن المنافقين عندما يأتون اليه ويحلفون عنده بانهم مؤمنون به - يكونون غير صادقين، والله يعلم ان سيدنا محمدا رسول الله، ولذلك أكد بيان كذبهم بقوله:
﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾
كذبوا فيما أخبروا به، لأنهم لا يعتقدون ما يقولون،
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
[آل عمران: 167].
ثم بين انهم يحلفون كذبا بأنهم مؤمنون حتى يصدقهم الرسول الكريم، ومن يغتر بهم من المؤمنين.
﴿ اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون ﴾
جعلوا أيمانهم الكاذبة وقاية وسترا لهم من افتضاح امرهم، فصدوا الناس عن سبيل الله. فما أقبح ما هم عليه من الكفر والكذب!!
ثم بين الله تعالى انهم آمنوا بالاسلام قولا ظاهرا، ولكنهم كفروا به عملا، فطبع الله على قلوبهم ﴿ فهم لا يفقهون ﴾.
ثم وصف هيئاتهم الظاهرة والباطنة، فأجسامهم في الظاهر حسنة تعجب الناس، ومنطقهم حسن، ولكلامهم حلاوة، أما في الباطن فهم خشب لا فائدة فيها، اشباح بلا ارواح، فسدت بواطنهم، وحسنت ظواهرهم.
ثم وصفهم بالجبن والذلة اذا سمعوا اي صوت او حركة ظنوا انهم المقصودون، وان أمرهم قد افتضح: ﴿ يحسبون كل صيحة عليهم ﴾ وأنهم هالكون لا محالة. ﴿ هم العدو فاحذرهم ﴾ ايها الرسول ولا تأمنهم ابدا.
ثم زاد في ذمهم وتوبيخهم فقال:
﴿ قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ لعنهم الله وطردهم من رحمته كيف يصرفون عن الحق الى ما هم عليه من النفاق.
ولما افتضح امرهم ونزل القرآن بصفتهم - جاءهم اقرباؤهم، وقالوا لهم: افتضحتم بالنفاق، فتوبوا الى الله واذهبوا الى الرسول واطلبوا ان يستغفر لكم، فأمالوا رؤوسهم استهزاء واستكبارا، ولم يقبلوا ذلك.
ثم بين الله ان هؤلاء المنافقين لا فائدة منهم، ولن ينفع معهم أي شيء بقوله تعالى: ﴿ سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفسقين ﴾.
فالاستغفار وعدمه سيان، لا يجديهم نفعا، لأن الله كتب عليهم الشقاء بما كسبت أيديهم.
قراءات:
قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي: خشب باسكان الشين. والباقون: خشب بضم الخاء والشين. وقرأ نافع: لووا رؤوسهم بفتح الواو الأولى بلا تشديد، والباقون: لووا رؤوسهم بتشديد الواو الاولى المفتوحة.