3.153
اذكروا ايها المؤمنون حالكم في تلك اللحظات الرهيبة حين ذهبتم منهزمين لا تلتفتون لأحد من شدة الهرب، والرسول يناديكم ويقول: هلم الي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة.. وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون. ولقد جازاكم الله غما متصلا بغم من الإرجاف بقتل رسول الله بعد الجرح، والقتل الذي حصل فيكم اذ قتل منكم سبعون رجلا، وظفر المشركين حتى صرتم من الدهش يضرب بعضكم بعضا. ولقد فاتتكم الغنيمة التي طمعتم بها، لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة وما اصابكم من الهزيمة، والله خبير بما تعلمون يعلم مقاصدكم وقادر على مجازاتكم.
3.154
يغشى: يغطي. برز: خرج. الى مضاجعهم: الى مصارعهم وقبورهم. ذات الصدور: السرائر.
بعد ان انتهت المعركة ورجع بعض من انهزم من المسلمين وتجمعوا حول الرسول الكريم وقف أبو سفيان وصاح: أعل هبل، يوم أحد بيوم بدر، لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله لعمر: قل: الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم. فقال ابو سفيان: فيكم محمد؟ قالوا: نعم، قال: لقد حدثت مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، (يعني بذلك ما حدث من التمثيل بجثة حمزة وغيره من قتلى المسلمين) ثم قال: الموعد بيننا بدر في العام القابل. فخاف المسلمون ان يذهب المشركون الى المدينة. وفي تلك اللحظة بعث الله النعاس على طائفة المؤمنين الصادقين في إيمانهم تطمينا لقلوبهم، وفي النوم راحة كبرى للأعصاب المرهقة وقت الشدائد.
قال ابو طلحة: غشينا النعاس يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.
ورفعت رأسي فجعلت أنظر وما منهم يومئذ الا يميد تحت حجفته من النعاس. وذلك قوله تعالى:
﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ﴾.
والحجفة: الترس من الجلد.
هذه احدى طائفتي المسلمين الذين قاتلوا يوم أحد. أما طائفة الايمان المزعزع فقد أذهلهم الخوف، ولم يكن لهم هم الا انفسهم. وذلك لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم، فظنوا بالله الظنون الباطلة وأخذوا يقولون مستنكرين: هل لنا من النصر والفتح نصيب؟. لهؤلاء قل يا محمد: الأمر كله لله في النصر والهزيمة. وحتى حين يسألونك فإنهم في الواقع يخفون في أنفسهم ما لا يستطيعون اعلانه لك، فهم يظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر، لكنهم يبطنون الإنكار والتكذيب. فلسان حالهم يقول: لو كان أمر النصر بيد إله محمد كما ادعى محمد لما غلبنا، ولما قتل من قتل من أصحابه في هذه المعركة!.
قل لهم يا محمد: لو كنتم في منازلكم وفيكم من كتب عليه القتل لخرجوا الى مصارعهم فقتلوا. اما الهزيمة فقد جازانا بها الله ليمتحن ما في صدورنا من الصدق والإخلاص أو عدمه، ويمحص ما في قلوبنا من وساوس الشيطان، والله عليم بذات الصدور.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي " تغشى " بالتاء، والباقون " يغشى " بالياء. وقرأ أبو عمرو ويعقوب " قل ان الأمر كله " برفع اللام. والباقون بنصبها.