قراءات:
قرأ يعقوب: تدعون بفتح الدال من غير تشديد. والباقون: تدعون بتشديد الدال. وقرأ الكسائي: فسيعلمون بالياء. والباقون: فستعلمون بالتاء.
فلله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
68 - سورة القلم
68.1-16
وما يسطرون: وما يكتبون. غير ممنون: غير مقطوع. فستبصر: فستعلم. ويبصرون: ويعلمون. بأيكم المفتون: بأيكم المجنون الذي ابتلي بآراء فاسدة. ودوا لو تدهن: احبوا ان تداري وتلين لهم بالمصانعة والمقاربة بالكلام. فيدهنون: فيقاربون ويدارون. والمداهنة: ان يظهر الرجل في امره خلاف ما يضمر. ولا تطع كل حلاف مهين: حلاف كثير الحلف، مهين: محتقر، حقير. هماز: عياب طعان. مشاء بنميم: كثير الوشاية والنميمة بين الناس. مناع للخير: بخيل، ويمنع الناس من عمل الخير. معتد: ظالم. أثيم: كثير الذنوب. عتل: فظ، غليظ القلب. زنيم: دعي، يعرف بالشر واللؤم. سنسمه على الخرطوم: نجعل له علامة على أنفه.
ن: حرف من حروف المعجم التي بدئت بها بعض السور، وقد تقدم الكلام عليها.
أقسم الله تعالى بالقلم وما يسطر من الكتب، وفي هذا تعظيم للقلم والكتابة والعلم الذي جاء به الإسلام وحث عليه من أول آية نزلت
اقرأ باسم ربك الذي خلق....
[العلق: 1].
يقسم الله تعالى بنون والقلم وما يسطرون، منوها بقيمة الكتابة معظما لشأنها، لينفي عن رسول الله ما كان يقوله المشركون عنه بأنه مجنون، فيرد الله عليهم بقوله:
﴿ مآ أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾.
لست يا محمد مجنونا كما يزعمون، فقد أنعم الله عليك بالنبوة والرسالة، والعقل الراجح.
﴿ وإن لك لأجرا غير ممنون ﴾
إن لك على ما تلقاه في تبليغ الرسالة الأجر العظيم الدائم الذي لا ينقطع أبدا.
﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾
وهذه اكبر شهادة من عند رب العالمين. وهل هناك أعظم من هذه الشهادة للرسول الأمين الذي طبع على الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق كريم!.
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
" خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته؟ ".
وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت:
" ما ضرب رسول الله بيده خادما قط ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط الا كان أحبهما اليه أيسرهما. وكان أبعد الناس عن الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه الا أن تنتهك حرمات الله ".
ثم بعد ان نفى عنه ما يقوله المشركون، ومدحه بشهادة عظمى، جاء يطمئنه بأنه هو الفائز وأنهم هم الخاسرون فيقول:
﴿ فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ﴾
ستعلم أيها الرسول، وسيعلم الكافرون الجاحدون من هو الضال المفتون.
ثم أكد ذلك بقوله تعالى:
﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾
وهذا وعد من الله يشير الى أن المستقبل سيكشف عن الحقيقة ويثبت أن هذا الرسول جاء برسالة من عند الله، وهو على هدى وحق، والمشركون على ضلال مبين.
وقد صدق وعد الله وظهرت الحقيقة، ونصره الله وأظهر هذا الدين القيم.
﴿ فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾.
إياك أن تلين لهؤلاء الجاحدين المكذبين، فدم على ما أنت عليه، فقد تمنوا لو تترك بعض ما أنت عليه وتلين لهم وتصانعهم فيلينون لك طمعا في تجاوبك معهم.
وقد حاول زعماء قريش ان يساوموه، وأن يجمعوا له الأموال، وان يملكوه عليهم، وهم لا يعلمون أن هذا الرسول الكريم فوق هذا كله، لا يريد منهم جزاء ولا شكورا، ولا يريد إلا هدايتهم إلى هذا الدين القويم.
ثم بين بعض صفات أولئك المكذبين الذين هانت عليهم نفوسهم فقال:
﴿ ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشآء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم ﴾.