ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال:
﴿ الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ﴾.
انهم اتخذوا آلها مع الله يعبدونه، فسوف يعلمون عاقبة امرهم، يوم القيامة، يوم يرون العذاب الشديد.
﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ﴾.
إنا نعلم ما يصيبك من ضيق وألم نفسي بما يقولونه من الفاظ الشرك والاستهزاء، فسلاه الله تعالى بان يسبح ويلوذ به، ولا يفتر عن التسبيح بحمد ربه طوال حياته حتى يأتيه اليقين.
﴿ فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾.
وهذا هو ختام السورة: ارشاد من الله تعالى أن يكشف ما يجده من الغم باللجوء اليه بعمل الطاعات، والاكثار من العبادات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا حزبه امر واشاد عليه خطب، فزع الى الصلاة.
اللهم وفقنا لطاعتك، واهدنا لعبادتك، واجعلنا من المتقين الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليم ولا الضالين.
16 - سورة النحل
16.1-4
اتى امر الله: دنا وقرب. امر الله: وعده وحكمه. الروح: الوحي. انذروا: خوفوا: خصيم: مخاصم.
كان مشركو مكة يستعجلون الرسول عليه الصلاة والسلام ان يأتيهم بعذاب الدنيا او عذاب الآخرة، فجاء ملطع هذه السورة حاسما: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾.
وقد تحقق هذا الوعيد بان اهلك الله عددا من صناديدهم في هذه الدنيا ونصر رسوله والمؤمنين، ولعذاب الآخرة أشد، وهو واقع لا ريب فيه ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ تنزه الله عنه ان يكون له شريك يعبد دونه.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: " تشركون " بالتاء، والباقون " يشركون " بالياء كما هي في المصحف.
﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾.
بعد ان تبرأ سبحانه من الشريك - بين انه تعالى وحده يعرف أسرار هذا الكون، وانه ينزل ملائكته بالوحي الذي يحيي القلوب على من يريد من عباده الذين يصطفيهم، ليعلموا الناس، وينذروهم بأن إله الخلق واحد لا اله الا هو، فاحذروا، وأخلصوا له العبادة، والتزموا بالتقوى والإيمان.
قراءات:
قرأ الكسائي عن ابي بكر: " تنزيل الملائكة " بفتح التاء والنون والزاي المشددة. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: " ينزل " بضم الياء وكسر الزاي من أنزل. والباقون: " ينزل " بضم الياء وكسر الزاي المشددة.
﴿ خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ﴾.
بعد ان بين الله أنه تنزه عن الشريك، وأنه هو الخالق الواحد، وأمر الناس بتقواه وإخلاص العبادة له - أخذ في عرض أدلة التوحيد، والآيات الدالة على النعمة عرضا لطيفا هادئا.
خلق الله العالم العلوي والسفلي بما حوى بالحق على نهج تقتضيه الحكمة، لوم يخلقه عبثا، وقد تنزه عن ان يكون له شريك يتصرف في ملكه، او يستحق ان يعبد مثله، تعالى عن شركهم، وتعالى عما يشركون.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: " تشركون " بالتاء.
و ﴿ خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾ ما أعجب هذا الانسان الذي خلقه الله من مادة لا ترى بالعين المجردة، فإذا به إنسان قوي مخاصم مجادل، ان هذا الكون كله عجيب، وأعجب ما فيه هذا الانسان.